القاهرة ، مصر – تحل الذكرى الثالثة عشرة لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في ظل استمرار الجدل حول واحدة من أكثر مراحل التاريخ المصري الحديث حساسية. إلا أن قراءة الأحداث من منظور الدولة المصرية تضعها في سياق أوسع من مجرد عملية فض أمني. تعتبرها مواجهة جاءت بعد أسابيع من الاعتصامات والاحتقان السياسي. وفي وقت كانت فيه مؤسسات الدولة تواجه تحديات متزامنة تتعلق بالأمن والاستقرار، ظهرت أيضًا تحديات قدرة مؤسساتها على فرض القانون.
الدولة اختارت الانتظار قبل التدخل
بدأ اعتصاما رابعة العدوية والنهضة في أواخر يونيو 2013 واستمرّا لأسابيع قبل تنفيذ عملية الفض في 14 أغسطس. خلال هذه الفترة تقول الرواية الرسمية المصرية إن الحكومة الانتقالية منحت المعتصمين وقتًا كافيًا لإنهاء التجمع بصورة طوعية. بالتوازي مع ذلك، كانت هناك محاولات للحوار والوساطة لإعادتهم إلى المسار السياسي. وبحسب هيئة الاستعلامات المصرية، لم يكن قرار الفض سهلًا بالنسبة للحكومة. وأكدت في ذلك الوقت التزامها بحرية التعبير والتظاهر السلمي. لكنها ربطت ذلك باحترام القانون وعدم تعطيل مصالح المواطنين أو الاعتداء على المنشآت أو التحريض على العنف.
عندما أصبحت الاعتصامات قضية أمن قومي
تقول الرواية الرسمية إن الاعتصامين تحولا تدريجيًا من احتجاج سياسي إلى مصدر اضطراب أمني. فقد تم تعطيل محاور مرورية رئيسية والتأثير في سكان المناطق المحيطة. كذلك ظهرت اتهامات رسمية بوقوع أعمال عنف ووجود أسلحة وذخائر ومواد حارقة داخل مواقع الاعتصام. وتشير هيئة الاستعلامات كذلك إلى أن الفترة المحيطة بعملية الفض شهدت اعتداءات على منشآت أمنية ودينية. واستشهدت بما جرى في مركز شرطة كرداسة. وتعتبر أن تلك التطورات عززت قناعة الدولة بأن استمرار الوضع القائم لم يعد قابلًا للاحتواء بالوسائل السياسية وحدها. هنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في قراءة الحدث من منظور الدولة. لم يعد السؤال متعلقًا فقط بحق التظاهر. وإنما أصبح متعلقًا بحدود قدرة الدولة على ترك تجمع سياسي مسلح أو عنيف محتمل يستمر في تعطيل الحياة العامة وتهديد الأمن الداخلي.
الدولة قدمت نفسها كحارس للمؤسسات
كانت الحكومة الانتقالية آنذاك تقول إن هدفها المعلن هو الانتقال إلى دولة مدنية وإجراء انتخابات، وليس إقامة نظام عسكري أو ديني. كما ربطت بين تنفيذ خارطة الطريق وبين استعادة الأمن وفرض القانون. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى عملية الفض باعتبارها جزءًا من محاولة الدولة استعادة السيطرة على المجال العام بعد أشهر من الاضطراب السياسي. ولا ينظر إليها باعتبارها نهاية الخلاف السياسي مع جماعة الإخوان المسلمين فحسب. وقد أصبح هذا المنطق لاحقًا جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي للدولة المصرية. حيث يضع بقاء مؤسسات الدولة واستمرار عملها فوق الصراعات الحزبية والتنظيمية.
المؤسسة الأمنية دفعت ثمن المواجهة
لا يمكن قراءة أحداث أغسطس 2013 بمعزل عن الخسائر التي تعرضت لها قوات الشرطة خلال تلك المرحلة.
ففي بيانها الصادر عقب عملية الفض، أشارت هيئة الاستعلامات إلى مقتل عشرات من أفراد الشرطة وإصابة مئات آخرين. كما ربطت الأحداث بموجة أوسع من الاعتداءات على منشآت الشرطة والمنشآت العامة والخاصة. وتحولت حماية أفراد الشرطة والمنشآت الأمنية لاحقًا إلى أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية الدولة المصرية لمواجهة التنظيمات المسلحة. خصوصًا مع تصاعد الهجمات الإرهابية في سيناء ومناطق أخرى خلال السنوات التالية.
رابعة في الحساب السياسي للدولة
من منظور الدولة المصرية، تمثل رابعة لحظة اختبار حاسمة لقدرتها على فرض القانون في مواجهة تنظيم سياسي يمتلك قاعدة جماهيرية وتنظيمية واسعة. بينما كانت البلاد تعاني في الوقت نفسه من استقطاب شديد وانقسام مجتمعي غير مسبوق. بهذا المعنى، فإن أهمية الحدث بالنسبة إلى الدولة لا ترتبط فقط بالميدان نفسه. فهي ترتبط أيضًا بما تلاه من إعادة تعريف لعلاقة الدولة بالجماعات السياسية والتنظيمية، وبخاصة جماعة الإخوان المسلمين. وأصبح المبدأ الذي تكرره الدولة في مناسبات مختلفة هو أن العمل السياسي لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع خارج مؤسسات الدولة. كما لا يجب أن يترافق مع العنف أو تعطيل مؤسسات المجتمع.
تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان
وحتى عند الاستناد إلى المصادر الرسمية المستقلة نسبيًا عن السلطة التنفيذية، يتضح أن أحداث رابعة كانت معقدة ولم تكن مجرد مواجهة أحادية الجانب. فقد شكل المجلس القومي لحقوق الإنسان لجنة لتقصي الأحداث وزارت محيط رابعة لمدة عشرة أيام. كما استمعت إلى شهود وراجعت مواد إلكترونية وتغطيات صحفية وشهادات متعددة قبل إعداد تقريرها. وتكمن أهمية التقرير في أنه يمثل وثيقة مصرية رسمية يمكن الاستناد إليها عند تقييم الأحداث بعيدًا عن الروايات الإعلامية المتعارضة. من الضروري أيضًا التعامل مع نتائجه كاملة وفي سياقها التاريخي والقانوني.
الدولة بعد رابعة
بعد عام 2013 دخلت مصر مرحلة مختلفة اتسمت بإعادة بناء المنظومة الأمنية ومواجهة موجة واسعة من العمليات الإرهابية، خصوصًا في شمال سيناء. بالتوازي مع ذلك تمت إعادة ترتيب مؤسسات الدولة وإطلاق برامج ومشروعات اقتصادية وتنموية واسعة. وفي الرؤية الرسمية المصرية، شكلت تلك المرحلة معركة ممتدة هدفها الأساسي منع سقوط الدولة في دوامة الفوضى التي شهدتها دول أخرى في المنطقة. كما كان الحفاظ على مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء والإدارة العامة هدفًا رئيسيًا، إذ تعتبر ركائز لاستمرار الدولة الوطنية.
ثلاثة عشر عامًا على لحظة مفصلية
بعد 13 عامًا، لم تعد رابعة مجرد اسم لميدان أو حدث أمني، وإنما أصبحت رمزًا لمرحلة شهدت اختبارًا حادًا لقدرة الدولة المصرية على التعامل مع الاستقطاب السياسي والعنف والاضطرابات الداخلية. وبالنسبة إلى الدولة والقيادة السياسية المصرية، فإن الدرس الأبرز الذي رسخته تلك المرحلة يتمثل في أن استقرار الدولة والحفاظ على مؤسساتها وسيادتها على كامل أراضيها يمثلان شرطًا سابقًا لأي عملية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وفي هذا السياق، تنظر الدولة إلى ما جرى في أغسطس 2013 باعتباره نقطة تحول أنهت حالة من الفوضى السياسية والأمنية وفتحت الطريق أمام إعادة تثبيت مؤسسات الدولة. بينما تظل التفاصيل المتعلقة باستخدام القوة والخسائر البشرية محل نقاش تاريخي وحقوقي مستمر.


