طهران ، ايران – في الأسابيع التي أعقبت اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تشهد بنية السلطة في إيران إعادة تشكل عميقة. هذا التغيّر يتجاوز التصنيفات التقليدية التي اعتاد المراقبون استخدامها لفهم المشهد السياسي الإيراني، مثل ثنائية “الأصوليين” و”الإصلاحيين” التي هيمنت على قراءة النظام لعقود. وبرزت كتلتان جديدتان من القوى تتنازعان مستقبل النظام؛ الأولى تدفع باتجاه الانفتاح على العالم وطي صفحة المواجهة المفتوحة مع الغرب. بينما الثانية تتمسك بالخطاب الثوري المتشدد وترفض أي مرونة في التعامل مع واشنطن أو حلفائها.
خطاب مثير للجدل يعيد أجواء الثورة
الشرارة التي كشفت حجم هذا الانقسام جاءت من خطاب ألقاه علي الخميني، حفيد مؤسس النظام روح الله الخميني، خلال مراسم تأبين علي خامنئي. الخطاب حمل نبرة حادة تجاه أي تقارب محتمل مع واشنطن، إذ وصف المفاوضات مع الولايات المتحدة بأنها شكل من أشكال الخيانة. كما اعتبر أن التفاوض مع واشنطن لا يقل خطورة عن الحرب نفسها، بل يعد استمرارا لها بوسائل أخرى.
هذه اللهجة المتشددة أعادت إلى الأذهان خطابات الحقبة الثورية الأولى، وأثارت تساؤلات جدية حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو مزيد من التصلب في سياستها الخارجية والداخلية. وقد تزامن هذا في وقت تتصاعد فيه الضغوط الإقليمية والدولية على طهران عقب الحرب الأخيرة واغتيال مجتبى خامنئي. ويأتي هذا أيضا وسط حالة من الغموض بشأن من يمسك فعليا بزمام القرار داخل مؤسسات النظام.
كتلتان متنافستان بلا مركز قوة موحد
التصنيفات السياسية القديمة لم تعد قادرة على تفسير المشهد الحالي. إذ تبلورت بعد وفاة خامنئي والحرب الأخيرة كتلتان جديدتان من القوى تتقاسمان النفوذ داخل مؤسسات الدولة العميقة. الكتلة الأولى، وهي التيار البراغماتي، تسعى إلى الانتقال بالبلاد إلى ما بعد النموذج الثوري الذي ساد في عهد الزعيمين السابقين. كما تدفع نحو تطبيع العلاقات مع العالم، والقبول المشروط بقواعد النظام الدولي، وفتح الباب أمام التعاون الاقتصادي، وإنهاء القيود التي تفرضها الملفات الإقليمية والغربية على إيران. ومن أبرز الشخصيات المرتبطة بهذا التيار الدبلوماسي عباس عراقجي ومحمد باقر قاليباف. ويحظى هذان الشخصان بحضور واسع في دوائر صنع القرار المتعلقة بالملف النووي والعلاقات الخارجية.
في المقابل، تواصل الكتلة الثانية، التي توصف بأنها امتداد لما يعرف بـ”جبهة الصمود”، التمسك بالأدبيات الثورية التي أرساها الخميني وخامنئي. وترفض أي براغماتية في التعامل مع الملفات الخارجية، معتبرة أن أي تنازل هو بداية انهيار كامل للمشروع الثوري. ويمكن قراءة خطاب علي الخميني في مدينة قم تحديدا في سياق محاولة هذه الجبهة الثانية ترسيخ حضورها وسط غياب شخصية قيادية قوية تمثلها. إذ لا تملك هذه الجبهة شخصية أخرى تحظى بقبول واسع سوى سعيد جليلي، الذي لا يحظى بشعبية كبيرة حتى داخل النواة الصلبة للنظام. لذلك دفعتها هذه الظروف إلى محاولة تحويل علي الخميني إلى رمز سياسي بديل يعوض غياب زعامة موحدة. ويلاحظ أن علي الخميني لم يكن شخصية سياسية بارزة قبل هذا الخطاب. في الواقع، الصفة الأبرز التي يملكها هي اسم عائلته، الذي حاولت هذه الجبهة توظيفه كسلاح رمزي في مواجهة التيار المنافس، وكوسيلة لاستدعاء شرعية تاريخية تفتقر إليها شخصيات أخرى في الصف الثاني.
التفاوض بوصفه حربا: قراءة في المضمون السياسي
إذ إن كلا من الحرب والتفاوض يعدان أداتين من أدوات السياسة الدولية تستخدمان للوصول إلى تسوية أو صياغة نظام جديد للعلاقات، فإن توصيف الخميني للمفاوضات بأنها امتداد للحرب ليس بلا أساس نظري تماما. غير أن هذا لا يعني أن السياسة الخارجية الفعلية لإيران تسير وفق هذه الرؤية. ذلك أن علي الخميني لا يملك حتى الآن نفوذا حقيقيا في عملية صنع القرار الحكومي. في حين أن الفريق الفعلي المسؤول عن ملف المفاوضات والسياسة الخارجية ينتمي في غالبيته إلى التيار العملي الذي يقوده عراقجي وقاليباف، وهو ما يجعل المسافة بين الخطاب الرمزي والقرار الفعلي واسعة نسبيا.
وتوصف الرؤية التي يطرحها الخميني بأنها امتداد لنظرة ثورية تعتبر الفروق بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة أمرا بلا قيمة. وهي ترى أن هناك حقيقة مطلقة واحدة لا مجال للتفاوض بشأنها ولا للمساومة عليها. وتتناقض هذه الرؤية مع سلوك الخميني الجد نفسه إبان أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين، حين استخدمت الأزمة لأغراض تكتيكية داخل السياسة الأمريكية نفسها. ما يكشف أن البراغماتية لم تكن غائبة تماما حتى في أشد لحظات الجمهورية الإسلامية الثورية تشددا، وأن الخطاب الأيديولوجي كثيرا ما يخفي حسابات عملية أكثر مرونة مما يبدو ظاهريا. كما تفتقر خطابات علي الخميني، من الناحية السياسية، إلى العمق والبلاغة، وتعتمد بشكل أساسي على الشعارات. وهذا ما يرجح أن هذه الرؤية لن تشكل، على الأقل في المدى المنظور، محددا رئيسيا للسياسة الخارجية الإيرانية، وإن كانت قادرة على التأثير في المزاج الداخلي للتيار المتشدد.
دور اسم العائلة في صعود مجتبى خامنئي وعلي الخميني
يمكن الربط بين ظاهرتين متزامنتين: تولي مجتبى خامنئي منصب القيادة، وبروز علي الخميني كصوت لجبهة الصمود. فغياب أي معارضة جدية لتولي مجتبى خامنئي القيادة يعود بالأساس إلى كونه نجل المرشد الراحل. إذ لم تكن هناك، في خضم الفوضى التي أعقبت الاغتيال، شخصية أخرى قادرة على توحيد مراكز القوة المختلفة داخل النظام خلفها. ورغم وجود تكهنات مسبقة بمعارضة محتملة من داخل مجلس الخبراء أو شبكات النفوذ، فإن الظروف الاستثنائية والثقل الرمزي لاسم “خامنئي” حسما الأمر لصالح تولي مجتبى القيادة. وقد حدث هذا في لحظة كانت البلاد فيها بأمس الحاجة إلى رمز يمنع الانفلات الكامل لموازين القوى.
وينطبق المنطق ذاته على صعود علي الخميني كمتحدث غير رسمي باسم التيار المتشدد. إذ إن اسم العائلة يستحضر لدى الجناح الأكثر ثورية من أنصار النظام ذكريات الحقبة التأسيسية للثورة، وهو ما استثمرته وسائل إعلام قريبة من هذا التيار في تضخيم صورة الخطاب وتقديمه على أنه عودة لروح الخميني الجد. رغم ذلك، مضمونه لا يحمل جديدا يذكر من الناحية الفكرية أو السياسية، بل يعيد إنتاج شعارات قديمة بصياغة جديدة.
انقسام دون بوصلة موحدة
لا يمكن الحديث حاليا عن استراتيجية واحدة تحكم صناعة القرار في طهران، في ظل تنافس فصيلين متكافئين نسبيا على السيطرة على المشهد الرمزي والإعلامي، وعلى رسم ملامح مستقبل مختلف للبلاد. فبينما تتمسك جبهة الصمود برؤية تتجاهل حقائق التوازنات العالمية المتغيرة، يدفع التيار البراغماتي باتجاه الانخراط في العلاقات الدولية والاندماج التدريجي في الاقتصاد العالمي.
وهذا الانقسام لا يقتصر على الداخل الإيراني، بل له انعكاس مواز داخل الولايات المتحدة. هناك تتباين الرؤى بين من يرون إمكانية التوصل إلى تفاهم يمس جزئيا من مساحة السيادة الإيرانية، ومن يعتبرون النظام برمته غير قابل للتفاوض معه أصلا.
ومن المرجح أن نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة في نوفمبر، وسط انقسام الرأي العام هناك بين مؤيدي التدخل ومعارضيه، تلعب دورا في تحديد أي من الفصيلين الإيرانيين سيرجح كفته في نهاية المطاف.
ويبقى استمرار هذا الصراع المفتوح بين الفصيلين، في غياب مركز قوة موحد يشبه الدور الذي كان يؤديه علي خامنئي سابقا، عاملا قد يفضي إلى هزة حقيقية في بنية السلطة داخل النظام الإيراني. لذلك قد يرسم مشهدا سياسيا مختلفا جذريا عما عرفته إيران طوال العقود الماضية، في مرحلة تبدو فيها معالم “اليوم التالي” لخامنئي أبعد ما تكون عن الوضوح.


