خاص، صوت الإمارات – تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة، حيث تتصاعد التوترات بين واشنطن وطهران. هذا يضع الإقليم أمام تساؤلات وجودية حول احتمالية اندلاع مواجهة عسكرية شاملة.
ولم يعد الصراع محصوراً في إطاره التقليدي، بل انتقل إلى مرحلة “الاشتباك المباشر” في خرائط النفوذ. بناءً على ذلك، يفرض هذا على المتابعين قراءة المشهد بعيداً عن السطحية السياسية.
هل تعيد أمريكا إشعال الحرب مع إيران؟
الإجابة على هذا السؤال لا تكمن في “نعم” أو “لا” مطلقة، بل في طبيعة “تعريف الحرب” في العقيدة العسكرية الأمريكية الحالية.
إن الولايات المتحدة لا تسعي بالضرورة إلى غزو بري شامل كما حدث في تجارب سابقة. لكنها تتجه نحو استراتيجية “الردع النشط”. واشنطن تعيد صياغة قواعد الاشتباك بحيث تجعل تكلفة السلوك الإيراني غير محتملة.
وبالتالي، الحرب هنا ليست “اشتعالاً” مفاجئاً، بل هي استمرار لعملية “خنق استراتيجي” متواصلة. وقد تتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة إذا تجاوزت إيران الخطوط الحمراء المتعلقة بأمن الملاحة الدولية أو المسار النووي.
سيناريوهات الحرب والحجج الأمريكية
تتمسك واشنطن بحزمة من الحجج القانونية والأخلاقية والسياسية لتبرير أي تصعيد محتمل.
الحجة الأولى هي “حماية أمن الممرات الدولية” (مثل مضيق هرمز)، والثانية هي “كبح الانتشار الصاروخي الإيراني”، والثالثة هي “الحد من النفوذ الإقليمي المزعزع للاستقرار”.
أما سيناريوهات الحرب، فهي تتجاوز الاجتياح التقليدي إلى:
العمليات الجراحية المحدودة: استهداف دقيق لمنشآت عسكرية أو نووية أو منصات إطلاق صواريخ.
الحرب السيبرانية الشاملة: شل البنية التحتية الإيرانية (الكهرباء، الاتصالات، الشبكات المالية) دون إطلاق رصاصة واحدة.
الحصار البحري والجوي: منع تصدير النفط بشكل كامل وفرض طوق أمني لمنع وصول الإمدادات للنظام أو وكلائه.
الأهداف النهائية للمواجهة
لا تهدف واشنطن من هذه التوترات إلى إسقاط النظام من الداخل فحسب، بل إلى “تفكيك وظيفي” لمنظومة النفوذ الإيراني.
الهدف النهائي هو تحويل إيران من “لاعب إقليمي إمبراطوري” يمتلك أذرعاً في لبنان والعراق واليمن، إلى “دولة وطنية” محصورة داخل حدودها. كما يجب عليها أن تلتزم بقواعد النظام الدولي.
إن واشنطن تريد إعادة هندسة وظائف النظام الإيراني بحيث يصبح وجوده مرتبطاً باستقراره الداخلي لا بقدرته على تصدير الفوضى.
أزمة مضيق هرمز: هل يظل مغلقاً؟
يعد مضيق هرمز الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي؛ لذا فإن بقاءه مغلقاً لفترة طويلة ليس خياراً متاحاً لإيران أو للولايات المتحدة. إذا حاولت إيران إغلاقه، فإنها ستواجه المجتمع الدولي بأسره (الصين، الهند، أوروبا)، وليس أمريكا فقط.
لذا، السيناريو الأرجح هو أن تظل الملاحة فيه خاضعة لصراع “القط والفار” أو “الاستعراض الأمني”. ولكن، ليس إغلاقاً كاملاً ودائماً، لأن ذلك سيعني نهاية النظام الإيراني الذي لا يملك ترف خسارة شريانه المالي الوحيد. إن الولايات المتحدة تدرك أن تحالفاتها الدولية كفيلة بضمان بقاء المضيق مفتوحاً، عبر تشكيل تحالفات أمنية بحرية دولية.
اغتيال مجتبى خامنئي
يتجه التحليل السياسي هنا إلى التمييز بين “الاستراتيجية العسكرية” و”التكهنات الإعلامية”. لا يوجد دليل استراتيجي على أن الولايات المتحدة تتبنى “اغتيال الأفراد” كركيزة لسياساتها تجاه النظام الإيراني، فهي تركز على “تغيير سلوك النظام” ككل.
إن الحديث عن مجتبى خامنئي يندرج ضمن صراعات التوريث الداخلي في إيران، حيث يخشى النظام من أن يؤدي الفراغ أو الانتقال غير السلس للسلطة إلى انهيار داخلي.
الولايات المتحدة تراقب هذا الصراع، وقد تستغل “هشاشة” النظام في مرحلة التوريث. لكنها لا تحتاج لاغتيال شخص بقدر ما تحتاج إلى استغلال الصراع المحتدم بين “الحرس الثوري” والمؤسسة الدينية والمراكز المتصارعة على الشرعية، لضمان ضعف النظام من الداخل.
إن النظام الإيراني يواجه اليوم أزمة شرعية مع شعبه وأزمة ثقة مع أجنحته، وهذا بحد ذاته هو التهديد الحقيقي الذي لا يحتاج لتدخل خارجي مباشر.
مرحلة الخسارات المتبادلة
إن المشهد بين واشنطن وطهران هو مشهد صراع طويل الأمد. الحرب إذا وقعت، ستكون نتاج “حسابات خاطئة” أكثر من كونها رغبة مبيتة.
فالمنطقة اليوم دخلت مرحلة “الخسارات المتبادلة”، حيث تدرك طهران أن أي مواجهة شاملة ستنهي طموحاتها الإقليمية. وتدرك واشنطن أن التكلفة الاقتصادية والسياسية لأي حرب كبرى ستكون باهظة.
ويبقى السؤال: هل ستستمر “القوة الهادئة” في ردع التهور، أم ستكتب “الحماقة السياسية” نهاية الفصل الحالي من تاريخ المنطقة؟ الأيام القادمة ستحدد ما إذا كانت خرائط النفوذ ستظل قابلة للرسم، أم أن النار ستأكل كل شيء.


