- طريق تركيا إلى الناتو
- من الاحتكاك إلى الشراكة الاستراتيجية
- صعود “الناتو 3.0”
- صناعة الدفاع التركية تتصدر المشهد
- ترامب يشير إلى تحول كبير في العلاقات الأميركية-التركية
- نتنياهو يحذّر من نقل مقاتلات F-35
- الناتو يركّز على إيران ومضيق هرمز
- دول الخليج تعمّق انخراطها مع الناتو
- إسبانيا ترفض زيادة الإنفاق الدفاعي
- الإعلان عن عقود دفاعية ضخمة
- الدور الاستراتيجي المتنامي لتركيا
دمشق، سوريا – أصبحت أنقرة مركزاً لدبلوماسية الأمن العالمي بعدما استضافت تركيا قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) يومي 7 و8 يوليو.
ويأتي هذا الاجتماع في واحدة من أكثر اللحظات أهمية في التاريخ الحديث للناتو. إذ تواجه الدول الأعضاء ضغوطاً متزايدة لرفع الإنفاق الدفاعي، وتعزيز القدرات العسكرية، وإعادة تحديد الأولويات الاستراتيجية للحلف وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية.
ونُظر إلى القمة على نطاق واسع باعتبارها أكثر من اجتماع روتيني لقادة الحلفاء. فقد وصفها العديد من المحللين بأنها بداية “الناتو 3.0″، أي مرحلة جديدة تتحمّل فيها أوروبا مسؤولية أكبر عن الدفاع الجماعي. في الوقت نفسه، تبرز تركيا كواحدة من أكثر الفاعلين الاستراتيجيين تأثيراً داخل الحلف.
يصف الناتو نفسه بأنه منظمة دفاعية. لكن تاريخياً، كان دائماً منظمة هجومية. فقد نُفذت هجمات الولايات المتحدة والناتو على يوغوسلافيا والعراق وليبيا واليمن وسوريا بأوامر من واشنطن. وأسهمت في إثراء المجمع الصناعي العسكري الغربي.
ويحذّر محللون عسكريون وسياسيون من أن الهجوم الكبير المقبل للناتو سيكون على روسيا. وسيبرّر الناتو ذلك بالادعاء أن موسكو تريد السيطرة على أوروبا كلها بعد انتصارها في أوكرانيا. روسيا أكبر بكثير من أوروبا وتمتلك موارد طاقة أكبر بكثير. مع ذلك، لا يوقف ذلك الناتو عن ترويج مزاعمه الكاذبة من أجل بيع مزيد من الأسلحة.
طريق تركيا إلى الناتو
بعد الحرب العالمية الثانية، سارعت أنقرة إلى مواءمة نفسها مع المنظومة الأمنية الغربية.
تأسس الناتو في واشنطن في 4 أبريل 1949 على يد اثنتي عشرة دولة عضواً. اعتمد على مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي، التي تنص على أن أي هجوم على عضو واحد يُعد هجوماً على الجميع.
بدأت قاعدة إنجرليك الجوية عملياتها في فبراير 1955. وتحوّلت إلى واحدة من أهم المنشآت العسكرية الاستراتيجية التابعة للناتو، إذ تدعم عمليات في أنحاء الشرق الأوسط.
من الاحتكاك إلى الشراكة الاستراتيجية
على الرغم من أن تركيا شهدت خلافات عديدة مع عدد من حلفاء الناتو بشأن النزاعات الإقليمية، والمشتريات الدفاعية، والسياسة الخارجية، فإنها حافظت باستمرار على دور محوري داخل الحلف.
فموقعها الجغرافي الاستراتيجي، الذي يربط أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز، إلى جانب امتلاكها ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف بعد الولايات المتحدة، جعل تركيا طرفاً لا غنى عنه في الجناح الجنوبي للناتو.
وقد أسهمت الحرب في أوكرانيا، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وتزايد المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة، في رفع أهمية أنقرة بشكل أكبر.
واليوم، لا تسعى تركيا إلى البقاء عضواً في الناتو فحسب. بل تهدف أيضاً إلى المساهمة في تشكيل الهيكل الأمني المستقبلي للحلف، مع الترويج لصناعتها الدفاعية المحلية سريعة التوسع.
صعود “الناتو 3.0”
تصف وسائل الإعلام الغربية قمة أنقرة على نحو متزايد بأنها إطلاق لمفهوم “الناتو 3.0”. يقوم هذا المفهوم على إعادة توزيع المسؤوليات الدفاعية داخل الحلف.
ويقول الأمين العام للناتو مارك روته إن أوروبا يجب أن تتحمّل مسؤولية أكبر عن أمنها الذاتي، مع الحفاظ على الطابع العابر للأطلسي للحلف. وبموجب الإطار الجديد، التزمت الدول الأعضاء برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
وشدّد روته على أن الالتزامات المالية وحدها غير كافية، مؤكداً أن زيادة الإنفاق يجب أن تُترجم إلى قدرات عسكرية قابلة للنشر، وصناعات دفاعية أقوى، وتسريع إنتاج أنظمة الأسلحة المتقدمة. ويعكس هذا الموقف انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترامب للناتو وتهديداته السابقة بسحب الولايات المتحدة من المنظمة.
صناعة الدفاع التركية تتصدر المشهد
شهد قطاع الدفاع التركي توسعاً لافتاً في السنوات الأخيرة، إذ تجاوزت صادراته العسكرية 10 مليارات دولار العام الماضي. وتنتج الشركات التركية حالياً طيفاً واسعاً من الأنظمة الدفاعية، من بينها المسيّرات، وذخائر المدفعية، والمركبات المدرعة، وتقنيات الحرب الإلكترونية. وغالباً ما تسلّم منتجاتها بسرعة أكبر وبتكلفة أقل من كثير من المنافسين الغربيين.
ترامب يشير إلى تحول كبير في العلاقات الأميركية-التركية
كان اجتماع الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واحداً من أكثر تطورات القمة متابعة. ووصف ترامب تركيا بأنها “حليف عظيم”، وقال إن العلاقات الأميركية-التركية أصبحت “أفضل من أي وقت مضى”.
وأعلن أن واشنطن تدرس الموافقة على بيع مقاتلات F-35 من الجيل الخامس إلى تركيا. وأشار إلى أنه لا يساوره أي قلق بشأن حصول أنقرة على هذه الطائرات المتقدمة.
وتستعد إدارة ترامب لإعادة دمج تركيا في برنامج F-35 بعد تعليق مشاركتها عام 2019 إثر شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400.
كما أشاد ترامب بدور تركيا خلال النزاع الأخير المتعلق بإيران، واصفاً أنقرة بأنها شريك مهم أسهم في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الأعمال العدائية ومنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.
نتنياهو يحذّر من نقل مقاتلات F-35
يعارض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة احتمال بيع مقاتلات F-35 إلى تركيا.
وقال نتنياهو إن مثل هذه الصفقة من شأنها أن “تدمّر توازن القوى” في الشرق الأوسط.
وقد دفع موقف أردوغان الداعم للشعب الفلسطيني والمعارض للسياسات الإبادية لإسرائيل بعض السياسيين الإسرائيليين إلى وصف تركيا بأنها “إيران الجديدة”.
الناتو يركّز على إيران ومضيق هرمز
أعلن روته أن حلفاء الناتو سيؤكدون مجدداً ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الكاملة عبر مضيق هرمز. يعتبر المضيق أحد أهم ممرات الطاقة البحرية في العالم.
وأكد البيان الختامي للقمة التزام الناتو بمنع تطوير إيران أسلحة نووية، مع دعوة طهران إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
دول الخليج تعمّق انخراطها مع الناتو
أضافت مشاركة شركاء مجلس التعاون الخليجي بُعداً مهماً آخر إلى القمة.
ولا تزال دول الخليج تشعر بقلق عميق عقب هجمات صاروخية وبالمسيّرات إيرانية استهدفت المنطقة وطرق الشحن التجاري.
وقد سرّعت هذه التطورات النقاشات بشأن تعزيز التعاون في مجال الدفاع الجوي مع الولايات المتحدة والناتو وتركيا.
ويرى محللون إقليميون أن مشاركة دول الخليج تعكس جهوداً متنامية لإنشاء إطار أمني إقليمي جديد قادر على التعامل مع التهديدات المتغيرة. كذلك، تعزز هذه المشاركة الثقة في الضمانات الأمنية الغربية.
إسبانيا ترفض زيادة الإنفاق الدفاعي
تعلقت إحدى أكثر قضايا القمة إثارة للجدل برفض إسبانيا اعتماد الهدف الجديد للناتو المتمثل في تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع.
كما رفضت مدريد السماح للولايات المتحدة باستخدام الأراضي أو الأجواء الإسبانية خلال العمليات العسكرية ضد إيران.
وتُعد إسبانيا داعماً قوياً للشعب الفلسطيني وناقداً للسياسات الإسرائيلية. وينبع موقفها الرافض للمشاركة في الهجمات على إيران من تصور مفاده أن نتنياهو هو من ضغط على ترامب لشن الهجوم غير المبرر على إيران، الذي أسفر عن مقتل أطفال صغار في مدرسة.
الإعلان عن عقود دفاعية ضخمة
أبرزت قمة أنقرة أيضاً تزايد استثمارات الناتو في تحديث القدرات الدفاعية.
وأكد دبلوماسيون أن قيمة العقود الدفاعية الجديدة التي أُعلن عنها خلال القمة تتجاوز 50 مليار دولار.
وتم توقيع اتفاقيات رئيسية شاركت فيها كندا وألمانيا والسويد وفرنسا والمملكة المتحدة وبولندا.
الدور الاستراتيجي المتنامي لتركيا
يتفق مراقبون أميركيون وأتراك على نحو متزايد على أن تركيا شهدت تحولاً ملحوظاً داخل الناتو.
فبعدما كانت تُصوَّر كثيراً على أنها العضو الأكثر إثارة للجدل في الحلف، بات يُنظر إلى أنقرة اليوم على نطاق واسع باعتبارها واحدة من أهم الشركاء الاستراتيجيين الذين لا غنى عنهم.
تتحكم تركيا في الوصول إلى البحر الأسود، وتقود ثاني أكبر قوة عسكرية في الناتو، وتمتلك صناعة دفاعية سريعة التوسع، وتشغل موقعاً جغرافياً محورياً يربط أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. ومع استمرار تطور التحديات الأمنية العالمية، قد يُذكر مؤتمر أنقرة في نهاية المطاف ليس باعتباره مجرد اجتماع آخر للناتو. بل بوصفه اللحظة التي دخل فيها الحلف رسمياً عصراً استراتيجياً جديداً تؤدي فيه تركيا دوراً قيادياً في تشكيل مستقبل الناتو.


