دبي، صوت الإمارات- كشفت أزمة إغلاق إيران لمضيق هرمز عن واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في الاقتصاد العالمي. كما سلطت الضوء على ظاهرة باتت تعرف بـ “تسليح الاعتماد الاقتصادي المتبادل”. في هذه الظاهرة، تستغل الدول الممرات التجارية الحيوية وسلاسل الإمداد كأدوات ضغط جيوسياسي.
وتؤكد تقارير حديثة لصحيفة “وول ستريت جورنال” أن هذا الخلل الهيكلي في الاقتصاد الدولي لن يتم إصلاحه في المدى القريب. بدلاً من ذلك، سيتطلب سنوات من إعادة الهيكلة الاستراتيجية.
جيوسياسية “نقاط الاختناق”
الأزمة في مضيق هرمز ليست مجرد حادثة عابرة تتعلق بتدفق النفط؛ بل هي تجسيد لتحول استراتيجي في كيفية إدارة الصراعات. في الوقت الذي لا يزال فيه وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران هشاً، تدرك الحكومات والشركات أن الاعتماد على ممرات تجارية يمكن إغلاقها في أي لحظة أصبح تهديداً وجودياً.
وفي هذا السياق، حذر الأميرال جوزيبي كافو دراغوني، القائد العسكري الأعلى لحلف الناتو، من أن العالم يواجه تحدياً متزايداً. علاوة على ذلك، يتطلب هذا التحدي تنسيقاً غير مسبوق بين المؤسسات العسكرية والقطاع الخاص. الهدف هو مواجهة استغلال نقاط الاختناق في التجارة العالمية.
من هيمنة الدولار إلى سلاسل التوريد الاستراتيجية
تاريخياً، كانت الولايات المتحدة اللاعب الأبرز في استخدام الاقتصاد كسلاح عبر هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي. مع ذلك، تغير المشهد بدخول لاعبين جدد؛ حيث برزت الصين كقوة نفوذ عبر سيطرتها على سلاسل توريد المعادن النادرة. هذه المواد حيوية لا يمكن استبدالها في صناعات أشباه الموصلات، المحركات النفاثة، والتكنولوجيا المتقدمة.
أما إيران، فقد أضافت بُعداً مختلفاً عبر استغلال موقعها الجغرافي. فإغلاق مضيق هرمز يمثل أداة ضغط غير متكافئة لكنها بالغة الفعالية في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي. نتيجة لذلك، يمنح هذا طهران قدرة على التأثير في الأسواق العالمية للطاقة بشكل مباشر ومؤثر.
وهم التحرر من التبعية
رغم أن دولاً مثل الولايات المتحدة واليابان استثمرت مليارات الدولارات لخلق قدرات تعدين وتكرير خارج الصين، إلا أن التقرير يشير إلى أن “فك الروابط” الاقتصادية عملية معقدة للغاية.
وتقدم اليابان نموذجاً صارخاً؛ إذ رغم جهودها المستمرة منذ عام 2010 لتقليل اعتمادها على المعادن الصينية، لا تزال طوكيو تستورد نحو 60% من احتياجاتها من بكين.
في المقابل، تعاني الصين نفسها من ضغوط مشابهة؛ حيث أدت القيود الأمريكية على صادرات تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة إلى إبطاء نموها في قطاع الذكاء الاصطناعي. بالإضافة إلى ذلك، يعكس هذا حالة من “الاعتماد المتبادل المسموم” الذي يطال الجميع.
التحدي القادم: بناء المرونة
يرى خبراء الاقتصاد السياسي، ومن بينهم أبراهام نيومان، مؤلف كتاب حول تسليح الاعتماد الاقتصادي، أن التحدي الأكبر يكمن في تجنب “فخ التبعية الجديدة”.
فعلى سبيل المثال، أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى استبدال الاعتماد على الغاز الروسي بالاعتماد على الغاز الطبيعي الأمريكي. في الوقت نفسه، تظل الصين مسيطرة على سلاسل توريد الطاقة الخضراء والبطاريات.
وخلاصة تقرير “وول ستريت جورنال” هي أن الاقتصاد العالمي، رغم كل محاولات التنويع، لا يزال رهينة لنقاط اختناق استراتيجية محدودة. إن بناء منظومة أكثر استقلالية ومرونة لا يتطلب مجرد استثمارات ضخمة. بل يحتاج إلى إرادة سياسية مستدامة تدرك أن التحول بعيداً عن هذه التبعيات المترسخة سيستغرق سنوات طويلة. إضافة إلى ذلك، لم يعد أمن الطاقة والتجارة شأناً اقتصادياً بحتاً. بل صار ركيزة أساسية للأمن القومي في عالم تتصاعد فيه حدة الاستقطاب.


