طهران ، ايران – بينما تقترب المدافع من الصمت، تجد إيران نفسها أمام مرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر؛ فهي تنتقل من أتون حرب استنزاف طاحنة إلى “سلام هش” يئن تحت وطأة تضخم مفرط. بالإضافة إلى ذلك، تواجه إيران انكماش اقتصادي حاد بنسبة 10%. علاوة على ذلك، هناك أزمات متفاقمة في الطاقة والبنية التحتية.
أرقام صادمة وتضخم قياسي
في تقرير لصحيفة “الغارديان” البريطانية، يتضح أن الاقتصاد الإيراني يواجه وضعاً كارثياً؛ حيث بلغ معدل التضخم السنوي في مايو الماضي 130%. في نفس الوقت، سجلت أسعار اللحوم والدجاج ارتفاعاً جنونياً وصل إلى 176%.
ويحذر خبراء الصحة من تبعات هذه الأزمة على الأمن الغذائي، خاصة مع اضطرار العائلات لاستبعاد منتجات الألبان. هذا الأمر ينذر بمخاطر سوء التغذية وتأخر النمو. وفي هذا السياق، حذر وزير الاتصالات السابق محمد جواد أذري جهرمي من أن “التضخم قد يكون قنبلة ترامب ونتنياهو القادمة”. كما اعتبر أن مائدة الشعب ساحة المعركة الحقيقية.
أزمة البنية التحتية والكهرباء
لم تسلم البنية التحتية من الدمار؛ إذ تقدر الخسائر الاقتصادية بـ 270 مليار دولار. ومع تضرر قطاعات الطاقة والصلب، بات انقطاع التيار الكهربائي شبحاً يهدد الإنتاج. في هذا السياق، حذر آراش نجفي، رئيس لجنة الطاقة في غرفة التجارة الإيرانية، من “انقطاعات يومية منظمة” للحفاظ على ما تبقى من قدرة إنتاجية. في وقتٍ تنفي فيه الحكومة رسمياً وجود مثل هذه الخطط.
“تراكم السخط” والانقسام الداخلي
يرى خبراء علم الاجتماع، مثل الأستاذ فؤاد حبيبي، أن التماسك الذي ولدته “حالة الحرب” قد يتلاشى بمجرد انتهائها. موضحاً أن “لحظة الانتصار هي لحظة بدء الانقسام”. ورغم غياب قنوات التعبير الرسمية كالأحزاب والنقابات، إلا أن حالة السخط تتراكم في ظل الفقر وتدهور سبل العيش. كذلك، أدى حجب الإنترنت إلى بطالة ملايين الإيرانيين.
وفي هذا المشهد المعقد، يعاني الرئيس مسعود بزشكيان لضبط إيقاع الحكومة والحفاظ على تماسك اجتماعي بات هشاً للغاية. في وقت تتصاعد فيه دعوات من أحزاب إصلاحية لوقف حملات الإعدام التي طالت العشرات من السجناء السياسيين، مؤكدين أن هذه الممارسات لا تزيد سوى من حدة الانقسامات.
معضلة “الاقتصاد الموجه” وإعادة الإعمار
تطرح تساؤلات حول جدوى رفع العقوبات وتخفيف الحصار الاقتصادي. ويرى اقتصاديون مثل ألبرت باغزيان أن المشكلة ليست في نقص التمويل بقدر ما هي في “سوء التخطيط والفساد”.
ويؤكد الخبير الاقتصادي البارز موسى غني نجاد أن الهيمنة القائمة على “الحكم بالأوامر” بدلاً من “الحكم بالقواعد” تعيق أي إصلاح حقيقي. هذه العقبة تعززها قوة الحرس الثوري وتدخله في مفاصل الاقتصاد.
تظل التساؤلات قائمة حول مستقبل النظام، خاصة مع إشارات تقارب غير متوقعة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي. يبقى الاختبار الحقيقي لإيران اليوم: هل ستتمكن القيادة من إعادة تنظيم صفوفها من أجل “السلام” ومعالجة جذور الأزمة؟ أم سيتحول الدمار من أثر للحرب إلى حالة اجتماعية دائمة تُفقد البلاد قدرتها على النهوض؟


