باماكو ، مالى – في مشهد معقد يجمع بين الطموح القومي العرقي والأيديولوجيا الجهادية العابرة للحدود، برز اسم “إياد أغ غالي”، الملقب بـ “أبو الفضل”، كأخطر رجل في منطقة الساحل الإفريقي. ولم يعد أغ غالي مجرد قائد لتنظيم إرهابي، بل بات يُنظر إليه كمهندس لاستراتيجية “حرب استنزاف” شاملة تهدف إلى تقويض شرعية المجلس العسكري الحاكم في باماكو بقيادة أسيمي غويتا، مستخدماً مزيجاً من العمليات العسكرية غير المتكافئة والحرب الاقتصادية الخانقة.
شاهد إعلانًا قصيرًا لمتابعة قراءة المقال.
الإعلان غير متاح حاليًا. يرجى المحاولة مرة أخرى بعد قليل.
وبحسب قراءات استراتيجية لخبراء ومحللين لـ “صوت الإمارات”، فإن الاستراتيجية الجديدة التي ينتهجها أغ غالي بلغت ذروتها في هجمات منسقة بدأت صباح السبت 25 أبريل 2026، حيث شهدت العاصمة باماكو ومدن “كيدال، وغاو، وسيفاري، وكاتي” ضربات عنيفة نفذتها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” بالتحالف مع جبهة تحرير “أزواد”. هذا التحالف يمثل تحولاً جذرياً، حيث تلتقي تطلعات الانفصاليين في الشمال مع أجندة القاعدة لزعزعة استقرار الدولة المالية بالكامل.
مسار التحولات: من “التمرد” إلى “الإمارة”
يعكس مسار إياد أغ غالي اضطرابات مالي على مدار ثلاثة عقود؛ فقد بدأ زعيماً لتمرد الطوارق في التسعينيات، قبل أن يتحول نحو التشدد ويؤسس جماعة “أنصار الدين”، ثم يصبح أميراً لـ “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (فرع القاعدة في الساحل) التي تأسست عام 2017 باندماج فصائل عدة أبرزها “كتيبة ماسينا”. واليوم، يقود أغ غالي عمليات تتجاوز الكمائن التقليدية إلى استخدام الطائرات المسيرة التي يشرف عليها بنفسه، مستغلاً الفراغ الأمني الذي خلفه انسحاب القوات الفرنسية “برخان” وبعثة الأمم المتحدة “مينوسما”.
الحرب الاقتصادية وتكتيك “الحصار”
يرى المحلل السياسي التشادي، جبرين عيسي، أن التحول الأبرز في استراتيجية أغ غالي بدأ في سبتمبر 2025 عبر “الحرب الاقتصادية”. إذ اعتمد تكتيك حصار الطرق الرئيسية الرابطة بين العاصمة باماكو ومدينة “كايس”، مستهدفاً قوافل الوقود والإمدادات الحيوية. ويؤكد عيسي أن الهدف ليس اقتحام العاصمة فوراً، بل “خنق الدولة” ورفع الأسعار لتقويض شرعية المجلس العسكري وتصويره كعاجز عن حماية معيشة المواطنين، مع تمويل هذه العمليات عبر شبكات الخطف والإتاوات والتجارة غير الشرعية.
هذه الاستراتيجية تمثل انتقالاً من “الجهاد المسلح التقليدي” إلى طموح سياسي يهدف لتقديم الجماعة كبديل للسلطة المركزية، عبر توفير خدمات أساسية وأمن “انتقائي” في المناطق الريفية التي يغيب عنها التواجد الحكومي.
تناقضات التحالف ورفض التفاوض
وفقاً لإصدارات مؤسسة “الزلاقة”، الجناح الإعلامي للتنظيم، يرفض أغ غالي أي تفاوض مع المجلس العسكري الذي يصفه بـ “الخائن” والمتحالف مع “الوكلاء الروس” (الفيلق الإفريقي/ فاغنر سابقاً).
ومع ذلك، يحذر مدير مركز مرصد الساحل الأفريقي، محمد علي كيلاني، من أن أغ غالي يرتكب “أخطاء استراتيجية مكررة” بحق قضية “أزواد”. ويشير كيلاني إلى أن محاولة أغ غالي تكرار تجارب أفغانستان أو سوريا في الساحل عبر فرض “دولة انفصالية” تكون حاضنة للإرهاب، هو رهان محفوف بالمخاطر قد يحول المنطقة إلى بؤرة صراع لا تنتهي.
ديكو كحل وسط.. وأغ غالي كشخصية “خارج التوافق”
من جانبه، يرى ضابط الاستخبارات الموريتاني السابق، أحمد أمبارك، أن أغ غالي لم يعد يمتلك صفة “الشخصية التوافقية” حتى بالنسبة لـ “الأزواد” أنفسهم. ويصف أمبارك التنسيق الحالي بين الجهاديين والانفصاليين بأنه “تنسيق مؤقت” تفرضه المصالح المشتركة والعداء لنظام “غويتا”.
ويطرح أمبارك اسم الإمام “محمود ديكو” كشخصية وحيدة قادرة على لعب دور توافقي في مالي. ديكو، الملقب بـ “الإمام الذي يسقط الرؤساء”، يتمتع بقاعدة شعبية جارفة في باماكو وأصول تجمع بين “الفلان” و”البمبارا” وارتباط بجغرافيا “أزواد”، مما يجعله مقبولاً لدى مختلف الأطراف المعارضة، على عكس أغ غالي الذي انتقل إلى أقصى التيارات المتطرفة.
التفتيت التدريجي للسلطة
في تحليل للمشهد، يرى المستشار الاستراتيجي الإيطالي دانييلي روفينيتي، في تصريح لموقع “صوت الإمارات”، أن أغ غالي لا يسعى لكسب الحرب بالطرق التقليدية، بل يعيد تشكيل البيئة السياسية للصراع. ويضيف روفينيتي: “استراتيجيته تجمع بين الاستنزاف واللامركزية؛ فبدلاً من تركيز القوات، يوزعها عبر شبكة مرنة ترهق الجيش المالي وتجعله عاجزاً عن بسط نفوذه خارج المدن الرئيسية”.
ويتابع روفينيتي: “ما نشهده هو تمرد هجين يهدف إلى التآكل التدريجي لسلطة الدولة. التنسيق بين الجهاديين وفصائل الطوارق يعكس براغماتية عالية تزيد الضغط على المجلس العسكري وحلفائه الخارجيين”.
ويخلص إلى أن أغ غالي، وإن كان من المستبعد أن يستولي على باماكو بالكامل، إلا أنه ينجح بالفعل في “جعل الدولة هامشية” في أجزاء واسعة من البلاد، مرسياً واقعاً جديداً تُعرف فيه السيطرة بالتواجد الفعلي على الأرض لا بالسيادة الرسمية.
أمام هذا الواقع، تظل مالي عالقة بين مجلس عسكري يحاول إثبات سيادته بقوة السلاح والدعم الروسي، وبين “مهندس استنزاف” يراهن على الوقت وتفكيك مفاصل الدولة من الداخل، مما يضع مستقبل البلاد والمنطقة بأكملها على المحك.


