برازيليا – شهدت القارة اللاتينية انتفاضة سياسية ودبلوماسية واسعة النطاق لمواجهة النفوذ الأمريكي المتصاعد في النصف الغربي من الكرة الأرضية. ويأتي تحرك العواصم الجنوبية تجسيداً لسياسة رفض الضغوط الأمريكية على كوبا والتي تبنتها حكومات يسارية عديدة بوضوح. وقاد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا موجة انتقادات عارمة ضد التهديدات الأخيرة الصادرة من البيت الأبيض. وصرح لولا دا سيلفا بأن فرض العقوبات الاقتصادية المشددة لن يساهم في بناء الاستقرار السياسي بالمنطقة في عام 2026. وتحاول البرازيل تشكيل جبهة موحدة لحماية هافانا من العزلة الدولية والدفاع عن استقلال القرار السياسي الإقليمي بتميز.
تضامن يساري واسع النطاق ودعوات مخلصة لاحترام السيادة الوطنية
وشهدت الأيام الماضية مواقف سياسية متقاربة للغاية من قادة ومسؤولي دول أمريكا الجنوبية والوسطى بالتوالي. واعتبر الزعماء أن استمرار لغة الوعيد يساهم مباشرة في تعقيد الأوضاع المعيشية والاجتماعية للشعب الكوبي الجار. وأكد الرئيس البرازيلي خلال لقاءات دبلوماسية ببرازيليا أن الحوار المتبادل هو الأساس الوحيد لإدارة العلاقات بالقارة. وتدعم المكسيك وفنزويلا وكولومبيا هذا التوجه الرافض للتدخلات العسكرية أو التهديدات السيبرانية والجوية الأمريكية الموجهة للجزيرة. ويرى الأكاديميون أن القارة لم تعد ساحة خلفية لتنفيذ الإملاءات الفيدرالية لواشنطن كما كان سائداً بالقرن الماضي.
وتتزامن هذه التوترات مع أزمات اقتصادية عالمية خانقة تتطلب تكثيف التعاون التجاري بدلاً من الخلافات العسكرية. وأوضح القادة اليساريون أن التراجع عن مسار التفاهمات الدبلوماسية يهدد خطوط الملاحة وأمن الطاقة بالبحر الكاريبي بوضوح. وتطالب العواصم اللاتينية بضرورة رفع الحصار المالي المفروض على البنوك الكوبية لتسهيل تدفق المواد الغذائية والطبية للمدنيين. وتسعى التكتلات الإقليمية مثل منظمة “سيلاك” لصياغة استراتيجية دفاعية موحدة تضمن حماية السيادة الوطنية لكافة الأعضاء بإنصاف.
غضب إقليمي من تصريحات ترامب ومخاوف حقيقية من عودة الاستقطاب
في المقابل أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن كوبا موجة غضب عارمة بالأوساط السياسية اللاتينية الحالية. وتوعدت إدارة ترامب بفرض عقوبات تجارية صارمة على الدول التي تقدم تسهيلات عسكرية أو لوجستية لهافانا بالمنطقة. وتخشى النخب الدبلوماسية من عودة أجواء الحرب الباردة والاستقطاب الثنائي الحاد بين واشنطن ودول أمريكا الجنوبية بانتظام. ويتوقع الخبراء أن تؤدي هذه السياسة الخشنة لنشوء نزاعات ديبلوماسية واقتصادية جديدة تؤثر على حركة الاستثمارات الأجنبية. وبادرت البرازيل بتحديث شروط التبادل التجاري مع شركائها الشرقيين لتقليل الاعتماد على الأسواق والدولار الأمريكي.
ويرى المراقبون الاستراتيجيون أن التحركات الحالية تعكس رغبة حقيقية لدى الدول اللاتينية لتعزيز استقلال قرارها السيادي عالمياً. وتتنامى الدعوات الشعبية بضرورة بناء تحالفات دولية أكثر توازناً ومقاومة للضغوط الاقتصادية الخارجية التي تمارسها القوى العظمى بظلال تحولات 2026. وتستمر الاجتماعات المغلقة بين وزراء خارجية المنطقة لتنسيق المواقف قبل انعقاد قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك.


