لندن، المملكة المتحدة – يختبر الكثيرون شعوراً مباغتاً بالنعاس فور البدء في قراءة كتاب أو مراجعة نص طويل، وهي ظاهرة شائعة يفسرها خبراء الأعصاب وعلم النفس بعيداً عن كونه مجرد شعور بالملل. فخلف هذا النعاس تكمن عمليات فسيولوجية وذهنية معقدة يمر بها الدماغ عند محاولته معالجة المعلومات في ظروف محددة.
استنزاف الطاقة الذهنية وتأثير الإرهاق
تعد عملية القراءة نشاطاً معرفياً كثيف الاستهلاك للطاقة، إذ تتطلب من الدماغ تركيزاً مستمراً لمعالجة الرموز اللغوية وتحويلها إلى معانٍ مفهومة. عندما يكون الشخص مرهقاً أو يفتقر إلى قسط كافٍ من النوم، يجد الدماغ نفسه في حالة صراع؛ فبدلاً من الاستمرار في المجهود الذهني المطلوب، يميل الدماغ إلى استغلال فترات الهدوء والتركيز التي تفرضها القراءة للدخول في حالة من الاسترخاء، مما يترجم فوراً إلى إحساس قوي بالنعاس.
دور البيئة المحيطة في خفض اليقظة
أشار الخبراء إلى أن القراءة غالباً ما تتم في بيئة مثالية للنوم وليس للعمل الذهني؛ حيث الجلوس لفترات طويلة دون حركة، وفي أماكن هادئة، وبإضاءة ثابتة. هذه العوامل مجتمعة، خاصة إذا كانت درجة حرارة المكان تميل إلى الدفء، تعمل على خفض مستوى اليقظة تدريجياً. كما أن ممارسة القراءة قبل موعد النوم مباشرة تعزز من ارتباط الدماغ بوضعية الاستلقاء أو الهدوء، مما يسرع من وتيرة الشعور بالحاجة إلى النوم.
طبيعة المادة وتفاوت الجهد المطلوب
تلعب طبيعة المحتوى المقروء دوراً جوهرياً في هذه العملية؛ فالنصوص الأكاديمية أو الكتب المتخصصة التي تتطلب تحليلاً عميقاً تستهلك مخزون الطاقة الذهنية أسرع بكثير مقارنة بقراءة الروايات الخفيفة أو الموضوعات الشيقة. هذا الفرق في الجهد الذهني يحدد مدى سرعة وصول الدماغ إلى مرحلة “الإرهاق المعرفي”، التي يتبعها مباشرة رغبة ملحة في التوقف والنوم.
نصائح للحفاظ على اليقظة الذهنية
لتقليل الشعور بالنعاس، ينصح المختصون بتبني مجموعة من الإجراءات الوقائية، أبرزها الحرص على الحصول على ساعات نوم كافية ليلاً، واختيار أماكن قراءة ذات إضاءة ممتازة. كما يُنصح بضرورة تطبيق استراتيجية كسر الرتابة من خلال أخذ فترات راحة قصيرة كل 20 إلى 30 دقيقة، مع تغيير وضعية الجلوس، والحفاظ على رطوبة الجسم بشرب الماء بانتظام، مما يساعد في تحفيز الدماغ على البقاء يقظاً.
متى يستدعي الأمر استشارة المختصين؟
على الرغم من أن الشعور بالنعاس أثناء القراءة يعد استجابة طبيعية للجسم في كثير من الحالات، إلا أن تكراره بصورة مبالغ فيها أو اقترانه بحالة من الإرهاق المزمن خلال كافة الأنشطة اليومية، قد يشير إلى وجود اضطرابات كامنة في النوم أو مشكلات صحية أخرى. في مثل هذه الحالات، يؤكد الخبراء على أهمية مراجعة الطبيب المختص للتأكد من الحالة الصحية وضمان مستوى طبيعي من اليقظة.


