أثينا ، اليونان – في مفارقة تعكس تعقيدات التحول الطاقي، كشفت بيانات الوكالة الأوروبية للتعاون بين منظمي الطاقة (ACER) عن ارتفاع ملحوظ في واردات الغاز الروسي إلى دول الاتحاد الأوروبي منذ بداية عام 2026. رغم سريان حزمة من اللوائح الأوروبية التي تستهدف الحصار التدريجي لهذه الإمدادات، استمرت الواردات بالارتفاع.
مؤشرات متناقضة مع خارطة الطريق الأوروبية
أظهر التقرير الحديث للوكالة أن واردات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب ارتفعت بنسبة 7% خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026 مقارنة بالعام السابق. بينما سجلت واردات الغاز الطبيعي المسال زيادة بنسبة 11%. وتأتي هذه الزيادة رغم تفعيل الاتحاد الأوروبي للمرحلتين الأولى والثانية من مبادرة “إعادة تزويد الاتحاد الأوروبي بالطاقة” (RepowerEU). هذه المبادرة حظرت استيراد الغاز الروسي بناء على عقود قصيرة الأجل مبرمة بعد تواريخ محددة في 2025 و2026.
وبحلول نهاية شهر مايو، وصلت نسبة اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي إلى 12% من إجمالي الطلب. رغم أن هذه النسبة لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الغزو الروسي لأوكرانيا (40-45%)، إلا أن المسار الحالي يشير إلى ارتفاع لا انخفاض. تعزوه وكالة (ACER) إلى تعديلات الأطراف المعنية في محافظ عقودها، وتحضيراتهم الاستباقية قبيل دخول “المسار الرئيسي” للحظر (العقود طويلة الأجل) حيز التنفيذ في مطلع عام 2027 للأنابيب. وأيضا يبدأ التنفيذ في سبتمبر من العام نفسه للغاز المسال.
إعادة تنظيم جذرية لتدفقات الغاز
تتوقع الأسواق الأوروبية تغيرا جذريا في خريطة التدفقات ابتداء من 2027. ويبرز ذلك من خلال نجاح الجهود اليونانية في إغلاق “البوابة الخلفية” للغاز الروسي. حيث انخفضت واردات الغاز غير الأذربيجاني إلى بلغاريا عبر تركيا بنسبة 65%. وفي اليونان، التي تعد واحدة من ثلاث دول (مع المجر وسلوفاكيا) لا تزال تعتمد على عقود طويلة الأجل، سجل انخفاض في واردات الغاز الروسي خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026. بالإضافة لذلك، زاد الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي والغاز الأذربيجاني عبر خط “TAP”.
الممر العمودي: الرهان القادم
في ظل التوجه نحو الاستغناء عن “تورك ستريم”، تبرز البنية التحتية اليونانية، خاصة محطتي “ريفيثوسا” و”ألكسندروبوليس”، كحلقة وصل حيوية ضمن “الممر العمودي للغاز”. ويعد هذا الممر البديل الاستراتيجي لسد الفجوة التي ستخلفها الإمدادات الروسية (التي تقدر بين 16-26 مليار متر مكعب).
ويترقب قطاع الطاقة نتائج المزاد الأول لتخصيص الطاقة الاستيعابية السنوية في هذا الممر، المقرر عقده في 6 يوليو الجاري. وينظر إلى هذا المزاد كاختبار حاسم لمدى جاهزية أوروبا لخلق بيئة طاقة تنافسية ومستقلة. حيث تشير التقديرات إلى ضرورة تعزيز الطاقة الاستيعابية لهذا الممر وتوسيع مساراته باتجاه غرب البلقان. بالتوازي مع ذلك، يجب تطوير مشاريع حيوية أخرى مثل حقل “نبتون ديب” الروماني لضمان أمن الطاقة الأوروبي في مرحلة ما بعد الغاز الروسي.


