أثينا ، اليونان – بالنسبة لآلاف المسافرين الذين يعبرون البرزخ سنوياً، تظل قناة كورنث مشهداً جيولوجياً وهندسياً يخطف الأنفاس. لكن بالنسبة لقطاع الشحن العالمي، فهي أكثر من مجرد معلم بصري. إنها شريان استراتيجي يربط بحر إيجة بالبحر الأيوني منذ 132 عاماً. كما تختصر آلاف الأميال، و توفّر الوقت والوقود والتكاليف التشغيلية.
بعد طول انتظار، جاء إعادة الافتتاح الكامل لقناة كورنث في 17 يونيو الجاري، عقب انتهاء الجزء الرئيسي من أعمال ترميم وتثبيت المنحدرات الصخرية. وبذلك عاد واحد من أكثر مشاريع البنية التحتية رمزية في اليونان إلى العمل بكامل طاقته. بهذا الحدث تم تدشين حقبة جديدة تجمع بين الحفاظ على الإرث التاريخي والتحول نحو العصر الرقمي.
أصل استراتيجي وعالمي
تعد قناة كورنث حالة فريدة في البنية التحتية اليونانية؛ فهي ممر ملاحي، ومعلم سياحي، وقطعة من التاريخ، ومشروع هندسي دولي. تديرها شركة قناة كورنث (AEDIK)، التي يمتلك صندوق النمو اليوناني كامل أسهمها. رغم التغيرات الجذرية في النقل البحري منذ افتتاحها عام 1893، لا تزال القناة تلعب دوراً محورياً؛ إذ يستخدمها سنوياً أكثر من 11 ألف سفينة تجارية وخاصة. كما تظل قناة كورنث الخيار الأمثل للسفن التجارية، واليخوت الفاخرة، وقوارب السياحة الترفيهية التي تشهد نمواً متسارعاً في حوض البحر الأبيض المتوسط. هذا ما يكرس مكانتها كأقصر طريق بحري يربط قلب اليونان بالبحر الأيوني.
التحول الرقمي: فلسفة تشغيلية جديدة
في إطار مواكبة العصر، تتبنى إدارة الشركة حالياً استراتيجية التحول الرقمي. وتشير البيانات إلى أن 78% من رحلات القوارب الترفيهية تتم الآن عبر خدمات الحجز والدفع الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، يستمر تطوير خدمات رقمية مخصصة لعملاء الشركات والمستخدمين الأفراد، مما يعكس فلسفة تشغيلية تركز على السرعة والمرونة وتحسين تجربة العميل.
علاوة على ذلك، وسعت هيئة إدارة “إيديك” (AEDIK) نطاق مسؤولياتها لتشمل مرافق الموانئ عند مداخل قناة كورنث، والجسور المغمورة في “بوسيدونيا” و”إيستميا”، ومناطق محيطة حيوية. يتم ذلك بهدف الترويج للبرزخ كوجهة سياحية عالمية متكاملة تجمع بين السياحة والثقافة والتجارة.
رؤية العقد القادم: القناة كمركز تنموي
يوضح ناسوس بيكاس، الرئيس التنفيذي لشركة AEDIK، أن القناة مشروع ذو حاضر قوي ومستقبل واعد. كما يشير إلى أن الخطة الاستراتيجية للعقد القادم ترتكز على ثلاثة أبعاد: “الأهمية الاستراتيجية للملاحة، الاعتراف الدولي بالتاريخ، وإمكانات التنمية الإقليمية”.
وأضاف بيكاس: “هدفنا الأول هو ضمان بقاء القناة ممراً آمناً وموثوقاً، مع توظيف التقنيات الحديثة. أما هدفنا الأسمى فهو جعلها محركاً للتنمية الإقليمية في كورنث، من خلال جذب الاستثمارات وخلق أنشطة اقتصادية جديدة تجعل من القناة مركزاً مرجعياً للسياحة والتجارب الثقافية”.
رحلة عبر التاريخ: من “ديولكوس” إلى نيرون
إن قصة القناة هي رحلة كفاح بشري؛ ففي القرن السابع قبل الميلاد، فكر “بيرياندر” حاكم كورنث في شق القناة، لكن الإمكانات التقنية لم تسعفه، فلجأ إلى بناء “ديولكوس”، الطريق المعبد الذي كانت تُنقل عبره السفن براً. توالت المحاولات التاريخية من يوليوس قيصر إلى كاليغولا، حتى نيرون الذي قاد بنفسه الضربة الرمزية الأولى لبدء العمل في عام 67 ميلادي، قبل أن يجهض المشروع بوفاته. ومع قيام الدولة اليونانية الحديثة، وإلهاماً بنجاح قناة السويس، عادت الفكرة للحياة في 1882، لتبصر القناة النور في 1893. واليوم، وهي تقترب من عامها الـ 133، لا تزال تخدم غرضها الأساسي: تقريب البحار والشعوب.
التحديات الجيولوجية والأمان
لم تكن سنوات التشغيل سهلة، فقد فرضت الطبيعة الجيولوجية الصعبة تحديات تمثلت في انهيارات أرضية متكررة. وقد جاءت أعمال الترميم الأخيرة لتعزيز سلامة المنحدرات المرتفعة التي تصل إلى 80 متراً.
أيضًا طبقت الشركة ممارسات بيئية حديثة، تتماشى مع معايير المنظمة البحرية الدولية (IMO)، لضمان إدارة مخلفات السفن بمسؤولية. يؤكد ذلك أن السلامة والبيئة هما ركيزتان أساسيتان في حقبة القناة الجديدة.
آفاق اقتصادية واعدة
بالنسبة لصندوق النمو، تعد القناة “أصلاً استراتيجياً” في محفظته. كما يأتي إعادة الافتتاح في ذروة الموسم السياحي ليعزز العوائد الاقتصادية، ليس فقط من رسوم الملاحة، بل من الخدمات اللوجستية والسياحية المرتبطة بالمنطقة المحيطة.
إن قناة كورنث، بمشهدها المهيب وسفنها العابرة بين المنحدرات الصخرية، ليست مجرد ممر مائي، إنها رمز للقدرة البشرية على ترويض الجغرافيا. ومع افتتاحها اليوم، لا تستعيد اليونان مجرد ممر ملاحي، بل تعزز بوابتها الدولية نحو التنمية. تؤكد هذه الإنجازات أن هذا المشروع التاريخي سيظل دوماً حلقة وصل حيوية توحد البحار والأسواق في قلب العالم.


