مسقط ، عمان ـ تشهد حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز تراجعًا حادًا منذ اندلاع المواجهة الأمريكية الإيرانية، مع استمرار المخاطر الأمنية التي دفعت شركات الشحن إلى تقليص عمليات العبور أو إعادة تقييم المسارات المستخدمة داخل المضيق. وتُظهر البيانات البحرية المتاحة أن الحركة لا تزال عند جزء محدود من مستوياتها المعتادة. رغم ذلك، تم تسجيل تحسن نسبي مقارنة بالأسابيع السابقة.
151 سفينة خلال أسبوع
وبحسب أحدث الأرقام المنسوبة إلى هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO، عبرت نحو 151 سفينة مضيق هرمز دخولًا وخروجًا خلال سبعة أيام. هذا مستوى يعادل قرابة 17% من متوسط حركة الملاحة قبل النزاع. ويعني ذلك متوسطًا يوميًا يناهز 22 عبورًا. في المقابل، كانت مستويات العبور سابقًا تقترب من نحو 130 إلى 140 سفينة يوميًا وفق بيانات مراكز المتابعة البحرية قبل الأزمة. وتؤكد بيانات سابقة لـJMIC أن متوسط الحركة التاريخية كان في حدود 138 سفينة يوميًا. ورغم أن الرقم يمثل تحسنًا عن الأسبوع السابق عندما هبطت الحركة إلى مستويات أكثر انخفاضًا، فإنه لا يشير إلى عودة الملاحة إلى طبيعتها. وكانت بيانات قطاع الشحن قد أظهرت في يوليو تراجع العبور بنسب كبيرة. إذ انخفض متوسط الحركة اليومية إلى نحو 14 سفينة في بعض الفترات، مقارنة بأكثر من 34 سفينة في بداية يوليو.
المسار العُماني.. الطريق البديل الأكثر تعرضًا للخطر
برز الممر الجنوبي المحاذي للمياه العُمانية باعتباره أحد المسارات البديلة التي لجأت إليها السفن لتجنب مناطق الخطر المرتبطة بالمسار الشمالي القريب من الساحل الإيراني. لكن هذا المسار لم يعد يمثل خيارًا آمنًا بصورة مطلقة؛ إذ سجلت المنطقة المحاذية لعُمان عدة حوادث استهداف خلال الأسابيع الماضية. نتيجة لذلك، دفعت هذه الحوادث شركات الشحن إلى إعادة حساب مخاطر المرور فيه. وأظهرت بيانات متخصصة في حركة السفن أن استخدام المسار العُماني تراجع بشدة بعد تعرض سفن لهجمات بالقرب من الساحل العُماني. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة. ذلك لأن المسار الجنوبي كان يُنظر إليه في بداية الأزمة باعتباره البديل الأكثر قابلية للاستخدام بالنسبة للسفن الراغبة في تجنب المسار الإيراني.
56 حادثة بحرية منذ بداية الحرب
وتشير بيانات مراكز المتابعة البحرية الدولية إلى تسجيل 56 حادثة مرتبطة بسفن تجارية منذ بداية الحرب في منطقة الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان. وكانت بيانات JMIC في نهاية يونيو قد سجلت بالفعل 56 حادثة منذ مارس، بينما واصلت الحوادث البحرية اللاحقة الضغط على حركة الملاحة. وفي يوليو، أبلغت UKMTO عن حوادث استهداف لسفن بالقرب من الساحل العُماني، من بينها ناقلة تعرضت لإصابة بمقذوف أثناء إبحارها في المسار الجنوبي. هذا عزز المخاوف من أن الخطر لم يعد محصورًا في المياه القريبة من الساحل الإيراني.
السفن تفضل المسار المرتبط بإيران
وأظهرت بيانات تتبع السفن خلال يوليو تحولًا لافتًا في سلوك شركات الشحن؛ ففي 15 يوليو، استخدمت غالبية السفن التي عبرت المضيق المسار الشمالي المرتبط بالمياه الإيرانية، بينما مر عدد محدود جدًا عبر المسار الجنوبي. وأرجعت بيانات متخصصة هذا التحول إلى تزايد المخاطر على المسار العُماني. وتشير بيانات Windward إلى أن المسار الإيراني استحوذ على النسبة الأكبر من العبور في فترات عدة من يوليو، بينما تراجع استخدام المسار العُماني إلى مستويات منخفضة للغاية. ويعكس ذلك أن شركات النقل لا تختار بالضرورة المسار الذي يبدو سياسيًا أو عسكريًا أكثر أمانًا. بل تختار المسار الذي ترى أنه يوفر أفضل فرصة لعبور السفن وطاقمها والبضائع دون التعرض للاستهداف.
تحذيرات من الألغام والتشويش الملاحي
ولا تقتصر المخاطر على الهجمات المباشرة؛ إذ تواجه السفن أيضًا مخاطر مرتبطة بالألغام البحرية والتشويش على أنظمة الملاحة. وتوضح إرشادات خطة الإجلاء التابعة للمنظمة البحرية الدولية أن مخطط فصل حركة المرور التقليدي في المضيق لا يُنصح باستخدامه بسبب تقارير عن وجود ألغام. لذلك، يتم اعتماد مسارات بديلة يجري تنسيقها مع الدول الساحلية. كما تحدد الخطة المسار الشمالي عبر المياه الإيرانية والمسار الجنوبي عبر المياه العُمانية. كما سبق أن وثقت جهات متخصصة في أمن الملاحة ارتفاع مخاطر التشويش على أنظمة GPS وAIS في المنطقة. هذا بدوره يزيد صعوبة تحديد مواقع السفن ومراقبة حركة المرور بصورة دقيقة.
تحسن محدود لا يعني عودة الملاحة
ورغم ارتفاع الحركة مقارنة بأدنى مستوياتها خلال الأزمة، فإن الفارق عن الوضع الطبيعي لا يزال كبيرًا. وتؤكد البيانات البحرية أن شركات الشحن ما زالت تتعامل مع المضيق باعتباره منطقة عالية المخاطر. من ناحية أخرى، تواصل السفن تأخير رحلاتها أو اختيار طرق بديلة أو استخدام إجراءات أمنية إضافية. وكانت بيانات JMIC قد أشارت في مراحل سابقة إلى أن متوسط الحركة التاريخية يقترب من 138 سفينة يوميًا. في المقابل، سجلت فترات من يوليو أرقامًا أقل بكثير، بينها أيام لم تتجاوز فيها الحركة عدة سفن.
هرمز.. أزمة تتجاوز السفن
ويكتسب استمرار الشلل الجزئي في هرمز أهمية دولية بسبب موقع المضيق في تجارة الطاقة العالمية. فاضطراب حركة الناقلات لا يؤثر فقط على الشركات المالكة للسفن. بل ينعكس على تدفقات النفط والغاز والتأمين البحري وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد. وتشير بيانات وتحليلات سوقية إلى أن تراجع حركة السفن ترافق مع انخفاض كبير في الطاقة المنقولة عبر المضيق. وفي نفس الوقت، ارتفعت المخاطر والتكاليف المرتبطة بالتأمين والنقل البحري. كما أدى استمرار الأزمة إلى تراكم ناقلات وشحنات في مناطق الانتظار خارج الخليج.
المسار العُماني في قلب المعادلة
وتكشف التطورات أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بما إذا كان مضيق هرمز «مفتوحًا» أو «مغلقًا»، وإنما بمدى قدرة السفن على استخدام المسارات المتاحة بأمان. فالمسار الجنوبي عبر المياه العُمانية يمثل منفذًا حيويًا لاستمرار الملاحة. لكنه تعرض بدوره لحوادث أمنية أدت إلى تراجع ثقة شركات الشحن. وفي المقابل، فإن اعتماد السفن بصورة أكبر على المسار المرتبط بإيران لا يلغي المخاطر، وإنما ينقلها إلى بيئة أمنية مختلفة. وبذلك، فإن الرقم الأهم في أزمة هرمز ليس فقط عدد السفن التي تعبر المضيق. بل أيضًا قدرة الممرات البديلة على استعادة ثقة شركات الشحن والتأمين. وطالما بقيت حركة الملاحة عند جزء صغير من مستويات ما قبل الحرب، فإن المضيق سيظل أحد أبرز نقاط الاختناق في التجارة والطاقة العالمية.


