بغداد ، العراق – مع انتصاف ليل الأحد، طوى العراق صفحة المدد القانونية التي حددها الدستور، ليدخل رسميا في حالة “فراغ دستوري” بعد إخفاق القوى السياسية في تكليف مرشح لرئاسة الوزراء. هذا الانسداد جاء نتيجة عجز الإطار التنسيقي، الكتلة النيابية الأكبر، عن ترجمة ثقله البرلماني إلى قرار حاسم خلال مهلة الخمسة عشر يوما الممنوحة لرئيس الجمهورية نزار آميدي منذ انتخابه. وقد حدث هذا وسط تداخل معقد بين الخلافات الداخلية والضغوط الخارجية الحادة.
انقسام “الإطار” وتأجيل متكرر
حالت التباينات العميقة داخل أروقة “الإطار التنسيقي” دون الاتفاق على هوية رئيس الوزراء القادم، مما أدى إلى تأجيل الاجتماعات الحاسمة أربع مرات خلال أسبوع واحد.
وتتوزع الخارطة السياسية داخل الإطار بين تيار يصر على ترشيح قادة “الخط الأول” لضمان حكومة ذات ثقل سياسي. بينما يوجد جناح يدفع باتجاه “خيار التسوية” لتفادي التصادم مع الرفض الدولي أو الغليان الشعبي.
ويضم الإطار قوى وازنة مثل ائتلاف “دولة القانون” بزعامة نوري المالكي، و”تحالف الفتح” بقيادة هادي العامري، و”قوى الدولة” برئاسة عمار الحكيم. وفي ظل نظام المحاصصة، يظل منصب رئيس الوزراء من حصة المكون الشيعي. أما نزار آميدي فيشغل رئاسة الجمهورية (المكون الكردي)، وهيبت الحلبوسي رئاسة البرلمان (المكون السني).
حجر العثرة الأمريكي
خارجيا، برز “الفيتو” الأمريكي كلاعب أساسي في تعطيل عملية التكليف، إذ شكلت تصريحات الرئيس دونالد ترامب الرافضة لترشيح نوري المالكي ضغطا هائلا شتت آراء الإطار بين التمسك بـ”السيادة” وبين خشية العزلة الدولية. كذلك برز اسم باسم البدري كمرشح “تسوية” يحظى بدعم المالكي كبديل عنه بعد تراجع حظوظ الأخير.
وتدرك القوى السياسية أن واشنطن تملك مفاتيح “الاستقرار الاقتصادي” عبر سيطرة البنك الفيدرالي على تدفقات الدولار من مبيعات النفط العراقي المودعة في نيويورك. لذلك فإن أي حكومة “صدامية” قد تواجه قيودا مالية تهدد تمويل الموازنة. بالإضافة إلى ذلك، هناك احتمالية سحب الدعم التقني والاستخباري المرتبط بالاتفاقيات الأمنية الطويلة الأمد.
سيناريوهات المأزق الشرعي
بمرور التوقيتات الحاكمة وفق المادة 76 من الدستور، يبرز اسم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني كخيار “الاستمرارية”، وسط انقسام حول منحه ولاية ثانية. كما تتردد أسماء حيدر العبادي وقاسم الأعرجي ومحمد صاحب الدراجي كخيارات “اللحظة الأخيرة” المقبولة وطنيا ودوليا.
إن هذا الخرق الدستوري يعيد للأذهان سيناريو انسداد عام 2021، لكنه يأتي في ظروف إقليمية أكثر تعقيدا لا تحتمل ترف الانتظار. وبعد تجاوز نصوص الدستور، انتقلت سلطة القرار فعليا من البرلمان إلى طاولات التفاوض الجانبية. ويستمر ذلك بانتظار مخرج سياسي يرمم الشرعية المفقودة ويجنب البلاد انهيارا أمنيا أو اقتصاديا وشيكا.


