الإسكندرية – مصر — مثّلت نهاية الملك أمبرتو الثاني، آخر ملوك إيطاليا، واحدة من أكثر المحطات الدرامية إثارة وتأثيراً في التاريخ الأوروبي الحديث؛ إذ انتقل الرجل في لمح البصر من الجلوس على عرش إحدى أعرق وأقدم الممالك الأوروبية. ثم وجد نفسه في حياة المنفى والاغتراب القسري التي انتهت فصولها الأخيرة على أرض مصر، بعيداً عن حدود بلاده التي حكمها لفترة وجيزة للغاية قبل إلغاء النظام الملكي رسمياً وإعلان قيام الجمهورية الإيطالية.
التنازل الأخير ومحاولة إنقاذ العرش من خطايا موسوليني
تولى أمبرتو الثاني مقاليد العرش رسمياً في شهر مايو من عام 1946، عقب تنازل والده الملك فيكتور إيمانويل الثالث عن الحكم. جاءت هذه الخطوة في مناورة سياسية أخيرة جرت في وقت حرج لمحاولة إنقاذ المؤسسة الملكية الإيطالية، والتي كانت قد تعرضت لانتقادات شعبية وسياسية واسعة النطاق بسبب ارتباطها الوثيق وتحالفها مع نظام بينيتو موسوليني الفاشي خلال سنوات الحرب العالمية الثانية الدموية. غير أن هذه الخطوة الملكية جاءت متأخرة جداً ولم تحقق هدفها. إذ كان الرأي العام الإيطالي قد حسم أمره وبات يميل بقوة نحو إحداث تغيير سياسي جذري وهيكلي في البلاد.
وبعد أسابيع قليلة فقط من اعتلائه العرش، أجرت الدولة الإيطالية استفتاءً شعبيّاً وتاريخيّاً في يونيو 1946 لاختيار شكل نظام الحكم الجديد. وقد أسفرت النتائج الرسمية عن فوز خيار النظام الجمهوري. انتهت بذلك حقبة الملكية الإيطالية التي استمرت لعقود طويلة، ويصبح أمبرتو الثاني رسمياً آخر ملوك البلاد. وعقب إعلان النتائج مباشرة، غادر الملك المخلوع إيطاليا مجبراً ومتجهاً إلى المنفى. فرضت السلطات الإيطالية الجديدة حظراً صارماً وقانونياً منع عودة أفراد الأسرة المالكة من الذكور إلى البلاد لسنوات طويلة.
الإسكندرية المحطة الأخيرة لـ “ملك مايو”
ومنذ ذلك الحين، عاش أمبرتو الثاني حياة هادئة وبعيدة تماماً عن الأضواء السياسية الصاخبة، متنقلاً بين عدة عواصم ودول أوروبية. بعدها استقر خلال فترات طويلة خارج حدود وطنه الأم. وفي سنواته الأخيرة، اختار أمبرتو الثاني مصر لتكون إحدى محطاته المهمة والمحورية؛ حيث أقام لفترة ليست بالقصيرة في مدينة الإسكندرية. كانت الإسكندرية تمثل آنذاك ملاذاً هادئاً وموطناً لجاليات أوروبية ضخمة، فضلاً عن كونها جاذبة لشخصيات سياسية بارزة عاشت ظروف المنفى والتغيرات الجيوسياسية العنيفة التي شهدها القرن العشرون.
ومع تقدمه في السن، تراجعت حالته الصحية تدريجيّاً، إلى أن وافته المنية في مارس من عام 1983 عن عمر ناهز 78 عاماً. ورغم وفاته ورحيله بعيداً عن عاصمته روما، فإن خبر وفاته استدعى فوراً ذكريات مرحلة تاريخية مفصلية من تاريخ إيطاليا الحديث. ففي تلك المرحلة انشقت البلاد وتحولت من النظام الملكي إلى الجمهوري عقب الحرب العالمية الثانية.
وبقي أمبرتو الثاني يُعرف في السجلات التاريخية الإيطالية بلقب “ملك مايو”، في إشارة رقمية وتاريخية إلى قصر مدة حكمه التي لم تتجاوز بضعة أسبوعاً، وهي تُصنف كإحدى أقصر فترات الحكم في تاريخ أوروبا الحديثة. ومع ذلك، ظل اسمه مرتبطاً بحدث سياسي غير وجه الدولة الإيطالية وأعاد رسم مستقبلها بالكامل. وتظل قصة آخر ملوك إيطاليا نموذجاً صارخاً للتحولات الكبرى والدراماتيكية التي شهدتها القارة الأوروبية في القرن العشرين. فقد أطاحت الحروب والتغيرات الاجتماعية العنيفة بعدد من العروش التاريخية، لينتهي المطاف بملوك وأمراء في منافٍ بعيدة، تاركاً وراءه فصلاً استثنائيّاً من تاريخ الملكية الإيطالية.


