- «صانعة الأجيال».. تعريف يتجاوز الأسرة
- من 1975.. عندما بدأ التحول المؤسسي
- نصف المقاعد.. والمرأة في قلب القرار
- الاقتصاد.. من المشاركة إلى الملكية
- من الجامعة إلى مختبرات المستقبل
- الذكاء الاصطناعي.. الاختبار القادم
- 86 خبيراً.. 44 امرأة
- من التمكين إلى «رؤية 2075»
- الإمارات بالأرقام الدولية
- ماذا تغيّر فعلياً خلال نصف قرن؟
- «ابنة الإمارات».. رهان المستقبل
أبو ظبى ، الامارات – في يوم المرأة الإماراتية 2026، لا تبدو قصة ابنة الإمارات مجرد سجل من الإنجازات، بل مساراً انتقل بها من التعليم وبناء الأسرة والمجتمع إلى مواقع صناعة القرار والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والفضاء؛ فكيف أعادت الإمارات تعريف دور المرأة، وما الذي تستهدفه «رؤية أم الإمارات 50:50» حتى عام 2075؟ في الثامن والعشرين من أغسطس من كل عام، تحتفي دولة الإمارات بيوم المرأة الإماراتية، لكن احتفال 2026 يأتي في لحظة مختلفة؛ فالدولة لا تستعرض فقط ما حققته المرأة خلال العقود الماضية، وإنما تضع أمامها أفقاً يمتد إلى عام 2075.
وتحت شعار «بنظهر الأقوى والأفضل»، تتعامل الإمارات مع المرأة باعتبارها شريكاً في صناعة المستقبل، وليس مجرد مستفيدة من سياسات التمكين. وهو تحول يمكن تتبعه في الأرقام، وفي مواقع المرأة داخل الحكومة والاقتصاد والعلوم والفضاء، وفي السياسات التي تستهدف السنوات الخمسين المقبلة.
«صانعة الأجيال».. تعريف يتجاوز الأسرة
قال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، في مناسبة يوم المرأة الإماراتية، إن المرأة الإماراتية تؤدي دوراً محورياً في التنمية والتربية وتكوين الأسرة، مؤكداً أن عطاءها وتفانيها يمثلان مصدر قوة وإلهام لمسيرة الدولة نحو المستقبل ، أما الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، فوصف المرأة بأنها راعية للأجيال وغارسة للقيم وشريكة في التنمية وصانعة للتغيير.
هذه العبارات تكشف تحولاً مهماً في تعريف الدور ، فـ«صناعة الأجيال» لم تعد محصورة في الدور الأسري، وإنما امتدت إلى صناعة الإنسان والمعرفة والاقتصاد والسياسات والابتكار. وتقول الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات»، في كلمة يوم المرأة الإماراتية 2026، إن المرأة هي قلب المجتمع وركيزة نهضته وشريكة فاعلة في صناعة مستقبله، في تأكيد على الجمع بين الأسرة والمشاركة الوطنية وصناعة المستقبل.
من 1975.. عندما بدأ التحول المؤسسي
لم تبدأ مسيرة تمكين المرأة الإماراتية اليوم ، ففي عام 1975 تأسس الاتحاد النسائي العام بقيادة الشيخة فاطمة بنت مبارك، لتبدأ مرحلة ركزت على التعليم ومحو الأمية والرعاية الصحية وجودة الحياة، قبل أن تتوسع تدريجياً نحو العمل والقيادة والمشاركة في صنع القرار. وبمرور خمسة عقود، انتقلت التجربة من معالجة فجوات أساسية في التعليم والخدمات إلى بناء منظومة مؤسسية لقياس مشاركة المرأة والتوازن بين الجنسين. وتشير بيانات الاتحاد النسائي العام إلى أن نظام رصد التقدم المحرز للمرأة، الذي اعتمدته الحكومة عام 2021، يشارك فيه 155 جهة، ولا يعتمد فقط على البيانات الحكومية، بل يتيح أيضاً الاستماع إلى آراء النساء من خلال خدمة «ولك رأي». وهنا تظهر إحدى السمات الأكثر أهمية في التجربة الإماراتية: الانتقال من التمكين بوصفه شعاراً إلى التمكين القابل للقياس.
نصف المقاعد.. والمرأة في قلب القرار
تظهر الأرقام أن المرأة الإماراتية أصبحت جزءاً أساسياً من مؤسسات صنع القرار. فبحسب البيانات الرسمية، تشغل النساء 50% من مقاعد المجلس الوطني الاتحادي، فيما تمثل المرأة 26% من مجلس الوزراء، وتشغل 63% من المناصب القيادية في القطاع الحكومي. كما تمثل النساء 71% من إجمالي العاملين الإماراتيين في القطاعين الحكومي والخاص وفق البيانات التي نشرتها وكالة أنباء الإمارات. وفي الحكومة الاتحادية، تضم التشكيلة الحكومية تسع وزيرات وفق المنصة الرسمية لحكومة الإمارات، بينما تشير البيانات الحكومية إلى أن المرأة تشكل 46.6% من إجمالي القوى العاملة الحكومية وتشغل 66% من وظائف القطاع العام، و30% من مراكز صنع القرار ضمن الأرقام الواردة في المنصة. وهذه الأرقام تكشف أن حضور المرأة لم يعد مقتصراً على قطاعات اجتماعية أو خدمية، بل أصبح جزءاً من هيكل الدولة الإداري والسياسي.
الاقتصاد.. من المشاركة إلى الملكية
امتد التحول إلى الاقتصاد وريادة الأعمال. وتشير البيانات الرسمية التي نشرتها وام إلى وجود أكثر من 25 ألف سيدة أعمال إماراتية يمتلكن أكثر من 50 ألف رخصة تجارية، بإجمالي استثمارات يتجاوز 60 مليار درهم. هذه الأرقام تعني أن قصة المرأة الإماراتية لم تعد فقط قصة دخول سوق العمل؛ بل أصبحت أيضاً قصة امتلاك وإدارة واستثمار. وفي سبتمبر 2025، أطلق الاتحاد النسائي العام مبادرة وصفها بأنها أول وظيفة رسمية من نوعها عالمياً للأسر المنتجة، تتيح للمنتسبات راتباً شهرياً وامتيازات وظيفية، مع مرونة في العمل من المنزل وربط الموظفات بمظلة معاشات أبوظبي. المغزى هنا يتجاوز المبادرة ذاتها: النموذج الجديد يحاول إدخال العمل الأسري والإبداعي إلى الاقتصاد الرسمي دون إجبار المرأة على التخلي عن طبيعة العمل التي تناسب مسؤولياتها الأسرية.
من الجامعة إلى مختبرات المستقبل
ربما يكون التحول الأكثر دلالة في الجيل الجديد هو انتقال المرأة الإماراتية بقوة إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وفق بيانات رسمية نشرتها وام، تمثل النساء 46% من خريجي تخصصات STEM في الإمارات. كما تشكل النساء نحو 50% من العاملين في القطاع الفضائي الوطني. وفي برنامج الفضاء الوطني، تمثل النساء نحو نصف العاملين، بينما تصل مشاركتهن إلى قرابة 80% من الفريق العلمي لمسبار الأمل. هذه الأرقام تغير طبيعة الصورة التقليدية للمرأة في قطاعات المستقبل ، فالمسألة لم تعد: هل تستطيع المرأة دخول العلوم؟ بل: إلى أي مدى تستطيع أن تكون جزءاً من الفريق الذي يصنع المعرفة العلمية للدولة؟
الذكاء الاصطناعي.. الاختبار القادم
تضع الإمارات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ضمن القطاعات الأساسية لمستقبلها، وتقول البيانات الرسمية إن مشاركة المرأة الإماراتية امتدت بالفعل إلى الذكاء الاصطناعي والهندسة والرعاية الصحية والطاقة النووية والفضاء. وفي 2025، اتجهت الدولة إلى إدخال الذكاء الاصطناعي مادة إلزامية من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر، في إطار تطوير التعليم وربطه بمهارات المستقبل. وهنا تبرز أهمية مشاركة المرأة في STEM: الجيل الذي سيدخل سوق العمل خلال العقد المقبل سيتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءاً من الحياة اليومية، وليس قطاعاً متخصصاً فقط. وبالتالي فإن وجود الفتيات والنساء في مسارات العلوم والتكنولوجيا اليوم يعني مشاركتهن في الاقتصاد الذي سيشكل العقود المقبلة.
86 خبيراً.. 44 امرأة
وتظهر تجربة «برنامج خبراء الإمارات» صورة إضافية لهذا التحول. فمنذ إطلاق البرنامج عام 2019، استفاد منه 86 خبيراً وخبيرة عبر أربع دفعات، بينهم 44 خبيرة إماراتية، أي نحو 51% من المشاركين. وتعمل الخبيرات في مجالات تشمل العلوم والتكنولوجيا والرعاية الصحية والاستدامة والسياسات العامة والبنية التحتية والعلوم البحرية والثقافة والخدمات الأسرية ونظم الغذاء، إلى جانب القيادة الحكومية والهندسة والعمل الأكاديمي والاستشارات. وهنا تصبح «المرأة الخبيرة» جزءاً من صناعة السياسات والمعرفة، وليس فقط من تنفيذها.
من التمكين إلى «رؤية 2075»
في 2025 أطلقت الشيخة فاطمة بنت مبارك «رؤية أم الإمارات 50:50»، وهي خارطة طريق تمتد إلى 2075. وتقوم الرؤية على ثلاثة مرتكزات رئيسية: الأسرة والهوية الوطنية، الحوكمة والاستراتيجيات، والشراكات الدولية التنموية. كما تستهدف تعزيز جودة حياة المرأة، وتكافؤ الفرص في التعليم والعمل والاقتصاد، وزيادة حضور المرأة في قطاعات المستقبل، وتطوير منظومة وطنية لرصد التقدم المحرز في ملف المرأة. وهنا تظهر النقلة الأساسية: الإمارات لا تتعامل مع تمكين المرأة باعتباره مشروعاً ينتهي بتحقيق نسبة معينة من المشاركة؛ بل باعتباره مساراً يمتد إلى النصف الثاني من القرن الحالي.
الإمارات بالأرقام الدولية
انعكس هذا المسار في مؤشرات دولية ، فبحسب المنصة الرسمية لحكومة الإمارات، جاءت الدولة في المركز الأول عربياً في تقرير الفجوة بين الجنسين 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، وحصلت على المركز الأول عالمياً في خمسة مؤشرات فرعية، بينها الالتحاق بالتعليم الابتدائي والثانوي والعالي وتمثيل المرأة في البرلمان. كما جاءت في المرتبة 13 عالمياً والأولى إقليمياً في مؤشر المساواة بين الجنسين لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025. وتشير هذه المؤشرات إلى تقدم ملموس، لكنها لا تعني أن ملف المرأة أصبح منتهياً؛ بل توفر معياراً لقياس المسار الذي تريد الدولة مواصلته.
ماذا تغيّر فعلياً خلال نصف قرن؟
يمكن تلخيص رحلة المرأة الإماراتية في خمس نقلات: من التعليم إلى المعرفة – من العمل إلى القيادة – من المشاركة الاقتصادية إلى ريادة الأعمال والملكية – من الوظائف التقليدية إلى العلوم والتكنولوجيا والفضاء – من التمكين الحالي إلى التخطيط لمستقبل يمتد حتى 2075 ، وهذه النقلة هي التي تجعل الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية أكثر من مناسبة رمزية. إنها مناسبة لقياس كيف تغير موقع المرأة داخل مشروع الدولة نفسه.
«ابنة الإمارات».. رهان المستقبل
في 2026، تبدو الرسالة الرسمية الإماراتية واضحة: المرأة ليست قطاعاً منفصلاً عن مشروع التنمية ، هي موجودة في الأسرة، لكنها أيضاً في الحكومة ، وفي التعليم، لكنها كذلك في المختبر ، وفي الاقتصاد، لكنها أيضاً في ريادة الأعمال ، وفي المجتمع، لكنها حاضرة في الفضاء والذكاء الاصطناعي والعلوم. وهذا يفسر لماذا تتحدث القيادة الإماراتية عن المرأة باعتبارها «شريكة» و«صانعة للتغيير»، لا باعتبارها مجرد مستفيدة من برامج التمكين.
فإذا كانت المرحلة الأولى من مسيرة المرأة الإماراتية قد ركزت على فتح الأبواب، فإن المرحلة الجديدة تركز على ما يحدث بعد فتحها: من يدخل؟ – ومن يقود؟ – ومن يصنع المعرفة؟ – ومن يحدد شكل الاقتصاد القادم؟ ، وهنا تبدو «رؤية أم الإمارات 50:50» الممتدة حتى 2075 بمثابة الإجابة الإماراتية عن السؤال الأخير: كيف تنتقل المرأة من شريكة في بناء الدولة إلى شريكة في تحديد شكل مستقبلها؟ بعد خمسة عقود من تأسيس الاتحاد النسائي العام، لم تعد قصة المرأة الإماراتية محصورة في ارتفاع معدلات التعليم أو المشاركة في سوق العمل.
الأرقام الرسمية ترسم مساراً أوسع: حضور قوي في الحكومة والبرلمان، توسع في ريادة الأعمال، مشاركة كبيرة في STEM والفضاء، حضور متزايد في الخبرة وصناعة السياسات، وخطة مستقبلية تمتد إلى 2075. وهكذا، فإن العبارة التي تصف المرأة بأنها «صانعة للأجيال» تكتسب معنى أوسع في الإمارات الحديثة ، فالمرأة لا تصنع الجيل داخل الأسرة فقط؛ بل تسهم أيضاً في صناعة العالم الذي سيعيش فيه هذا الجيل. ومن هنا يمكن فهم شعار يوم المرأة الإماراتية 2026: «بنظهر الأقوى والأفضل» ، ليس باعتباره احتفالاً بما تحقق فقط، وإنما إعلاناً عن انتقال القصة من نصف قرن من التمكين إلى نصف قرن جديد من صناعة المستقبل.
