بيروت ، لبنان – خسرت الأوساط البيئية في لبنان والعالم أيقونة النضال من أجل الطبيعة، الناشطة البيئية منى خليل، التي رحلت يوم الجمعة متأثرة بإصابتها الخطيرة جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في بلدة المنصوري الساحلية جنوب لبنان في الرابع من يونيو الجاري. وفاة خليل (76 عاماً) في المركز الطبي بالجامعة الأميركية ببيروت، أسدلت الستار على مسيرة حافلة بالإصرار والتفاني. قضت خلالها عقوداً في حماية السلاحف البحرية المهددة بالانقراض.
من نيجيريا إلى “البيت البرتقالي”
ولدت منى خليل لأبوين لبنانيين في مدينة لاجوس النيجيرية. وعاشت سنوات طويلة في هولندا حيث عملت في ترميم الخزف. ثم عادت في تسعينيات القرن الماضي إلى جذورها في لبنان. حين استقرت في منزل عائلتها المطل على البحر بين صور والناقورة، قادتها الصدفة أثناء تمشية ليلية على شاطئ المنصوري لمشاهدة سلحفاة بحرية. لتكتشف أن الشاطئ موطن حيوي لنوعين من السلاحف المهددة بالانقراض: السلحفاة ضخمة الرأس والسلحفاة الخضراء.
“البيت البرتقالي”: ملجأ التنوع البيولوجي
قررت خليل تحويل منزل عائلتها إلى “البيت البرتقالي”، وهو ملجأ مخصص لحماية هذه الكائنات. وبالتعاون مع الناشطة حبيبة الفايد، نجحت في تأسيس محمية “القليلة والمنصوري”. وقد باتت هذه المحمية تضم أكثر من 58 عشاً للسلاحف البحرية. لم تكتفِ خليل بالمراقبة، بل أسست شبكة مجتمعية من المتطوعين والشباب. وكذلك عملت على حماية الصغار من المفترسات الطبيعية والتلوث، مما جعلها رمزاً عالمياً في الحفاظ على التنوع البيولوجي.
إرث لا تغيبه الحروب
لم تكن هذه الحرب هي التحدي الأول لمنى خليل؛ فقد اضطرت للفرار خلال حرب عام 2006 بسبب القصف الصاروخي. وعادت لتجد منزلها مصاباً بقذيفة. لكنها أصرت على الاستمرار في رسالتها حتى في أحلك الظروف. ونعت “جمعية حماية الطبيعة في لبنان” خليل بوصفها رائدة حماية السلاحف، مؤكدة أن “بصمتها محفورة في كل عش تمت حمايته وفي كل سلحفاة وصلت بأمان إلى البحر”. في حين وصفتها شقيقتها أمل خليل بأنها كانت شخصية “متكاملة، شديدة الصلابة ولطيفة”.
يأتي رحيل خليل في ظل تصاعد العنف الإقليمي. فقد أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مارس الماضي إلى مقتل أكثر من 4 آلاف شخص في لبنان. وقد تركت هذه العمليات خلفها قصصاً إنسانية وبيئية مؤلمة، تروي صمود أفراد قرروا حماية الحياة في أرض لا تزال ترزح تحت وطأة النزاعات.


