- 2018.. عندما حملت الطائرة الورقية النار
- 2026.. الطائرة تعود بلا نار
- ذاكرة 7 أكتوبر تدخل على الخط
- من «طائرة ورقية» إلى «عمل إرهابي»
- الأمم المتحدة تدخل على خط «الطائرة»
- الطائرة الورقية ليست «هدفًا» بذاتها
- الطفل يدخل منطقة الخطر
- اللعبة التي اختفت من السماء
- من 2018 إلى 2026.. ثماني سنوات من «إعادة تعريف السماء»
- السؤال الذي لم تجب عنه الحرب
- الحرب لا تغيّر الأشياء فقط.. بل تغيّر معانيها
ابو ظبى ، الامارات – من لعبة أطفال إلى تهديد أمني.. كيف أعادت حرب غزة تعريف جسم ورقي بسيط، ولماذا أصبح الخيط الذي يمسكه طفل كافيًا لإثارة مخاوف عسكرية وتهديدات بالإخلاء والضرب؟ في سماء غزة، تبدو الطائرة الورقية شيئًا شديد البساطة: ورق، أعواد خشبية، خيط طويل، وطفل يحاول أن يمنحها ارتفاعًا كافيًا لتقاوم الريح. لكن في أغسطس 2026، لم تعد الصورة بهذه البراءة. فبعد ظهور طائرات ورقية وصلت من قطاع غزة إلى مناطق إسرائيلية قريبة من الحدود، بدأت السلطات في القطاع تحث الأهالي على منع أطفالهم من إطلاقها، وسط تحذيرات إسرائيلية من التعامل مع عمليات إطلاق الطائرات الورقية والبالونات باعتبارها تهديدًا أمنيًا. المفارقة الأكثر أهمية أن الجيش الإسرائيلي قال، في إحدى الحالات الأخيرة على الأقل، إن الطائرات التي وصلت إلى منطقة ناحال عوز لم تكن تحمل شيئًا مشبوهًا، ولم تشكل خطرًا على الجمهور. ومع ذلك، تحولت الطائرة الورقية إلى قضية أمنية. هنا يبدأ السؤال الذي يتجاوز غزة: متى تتوقف اللعبة عن كونها لعبة؟ ومن يملك حق تحويلها إلى سلاح؟
2018.. عندما حملت الطائرة الورقية النار
لفهم ما يحدث الآن، لا يمكن تجاهل الذاكرة التي صنعتها الطائرات الورقية في جنوب إسرائيل قبل ثماني سنوات. خلال احتجاجات «مسيرة العودة الكبرى» في 2018، أطلق فلسطينيون من قطاع غزة طائرات ورقية وبالونات محملة بمواد قابلة للاشتعال باتجاه جنوب إسرائيل. وتوثق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA أن هذه الوسائل تسببت في إشعال حقول زراعية وغابات. وفي الفترة بين 3 و16 يوليو 2018، قالت OCHA إن السلطات الإسرائيلية سجلت أكثر من 750 حريقًا منذ بدء هذه الممارسة في أواخر أبريل، أحرقت نحو 7,400 فدان، وقدرت الأضرار بأكثر من 2.2 مليون دولار، من دون تسجيل قتلى إسرائيليين في هذا السياق. وبحلول أغسطس، تحدثت السلطات الإسرائيلية عن 1,364 حريقًا منذ أواخر أبريل، وفق ما نقلته OCHA، مع احتراق أراضٍ زراعية ومحميات طبيعية، ومن دون تسجيل قتلى إسرائيليين بسبب هذه الحرائق. إذن، هناك حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها: الطائرة الورقية استُخدمت بالفعل في الماضي كوسيلة لإحداث أضرار وحرائق. لكن التاريخ لا يقدم إجابة تلقائية عن كل طائرة تظهر في السماء عام 2026.
2026.. الطائرة تعود بلا نار
في أغسطس الجاري، عادت الطائرات الورقية إلى المشهد. لكن المعطيات المتاحة بشأن الحالات الأخيرة تختلف عن نموذج 2018. رويترز نقلت أن الطائرات الورقية التي شوهدت قرب الحدود الإسرائيلية في التطورات الأخيرة لم تكن مزودة بأجهزة حارقة، رغم أن ظهورها أعاد إلى الذاكرة الإسرائيلية هجمات الطائرات الورقية الحارقة السابقة. وفي حالة موثقة بالقرب من كيبوتس ناحال عوز، قال الجيش الإسرائيلي إن أربع طائرات ورقية على الأقل عبرت من غزة، لكنه أفاد بأنه لم يجد شيئًا مشبوهًا عليها ولم يكن هناك خطر على الجمهور ، وهنا تظهر المفارقة: الجسم موجود ، الخطر غير مثبت في الحالة التي فحصها الجيش.
لكن الخوف موجود بالفعل.
ذاكرة 7 أكتوبر تدخل على الخط
لا يمكن فهم رد الفعل الإسرائيلي الحالي من دون النظر إلى الذاكرة الأمنية التي خلفها هجوم 7 أكتوبر 2023. فالمجتمعات الإسرائيلية القريبة من غزة عاشت سنوات من الطائرات الورقية والبالونات الحارقة، ثم تعرضت لهجوم 7 أكتوبر، وهو ما جعل أي جسم طائر قادم من القطاع يحمل، بالنسبة إلى بعض السكان، دلالة أمنية تتجاوز حجمه وطبيعته. رويترز نقلت أن سكانًا إسرائيليين قرب الحدود، ممن ما زالوا متأثرين بصدمة هجوم 2023، نظروا إلى عودة الطائرات الورقية باعتبارها مصدرًا للقلق حتى في الحالات التي لم تكن فيها الطائرات مزودة بمواد حارقة. وهنا يظهر أحد أهم مفاتيح التحقيق: الخطر المادي ليس الشيء الوحيد الذي تحسبه المجتمعات الخارجة من الحرب؛ فالذاكرة نفسها يمكن أن تتحول إلى جهاز إنذار.
من «طائرة ورقية» إلى «عمل إرهابي»
في 27 أغسطس، صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس موقف حكومته. وقال إن الجيش الإسرائيلي سيتعامل بقوة مع إطلاق الطائرات الورقية والبالونات من قطاع غزة باتجاه المجتمعات الإسرائيلية القريبة من الحدود. وتحدثت تصريحات إسرائيلية عن التعامل مع هذه الوسائل باعتبارها تهديدًا أمنيًا، فيما ربطت القيادة الإسرائيلية الظاهرة بحركة حماس وبالقدرة على تنفيذ هجمات جوية. لكن المفارقة أن هذا التصعيد جاء في وقت كانت فيه بعض الطائرات التي وصلت بالفعل إلى إسرائيل خالية من المواد الخطرة بحسب التقييم العسكري الإسرائيلي المنشور. وهنا تنتقل القضية من سؤال: ماذا تحمل الطائرة؟ إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يعني إطلاق الطائرة؟
الأمم المتحدة تدخل على خط «الطائرة»
القصة لم تعد محصورة في إسرائيل وغزة. في 24 و25 أغسطس، أثارت التهديدات الإسرائيلية بشأن الطائرات الورقية اهتمام الأمم المتحدة. وفي إحاطة صحفية بالأمم المتحدة، أثيرت مسألة تهديد إسرائيل بإخلاء مناطق في غزة على خلفية طائرات ورقية قال مسؤولون إسرائيليون إنها أطلقت باتجاه إسرائيل. وفي بيان صحفي آخر، نقلت الأمم المتحدة أسئلة بشأن تهديدات إسرائيلية بالإخلاء والهجمات بعد ظهور طائرات ورقية في المنطقة الحدودية. وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد اعتراض جسم طائر. لأن السؤال يصبح: هل يمكن أن يمتد أثر فعل فردي إلى سكان منطقة كاملة؟ ، من يملك حق تحديد «الهدف»؟
هذه هي العقدة القانونية في القضية. القانون الدولي الإنساني لا يقول إن كل شيء يأتي من منطقة حرب يصبح هدفًا عسكريًا. كما أنه لا يقول إن كل شيء يحمل شكلًا مدنيًا يتمتع بحصانة مطلقة. المعيار هو طبيعة الاستخدام والظروف والهدف والميزة العسكرية المتوقعة. اللجنة الدولية للصليب الأحمر توضح أن مبدأ التمييز يفرض التفريق بين المدنيين والمقاتلين، وكذلك بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. وهذا يعني أن السؤال القانوني ليس: هل هي طائرة ورقية؟ بل: كيف استُخدمت؟ إذا كانت طائرة ورقية يستخدمها طفل للعب، فهذه حالة ، أما إذا كانت طائرة مجهزة بمواد حارقة أو متفجرة وتستخدم لإلحاق الضرر، فهذه حالة مختلفة تمامًا. وبين الحالتين توجد مساحة واسعة يجب أن تخضع للأدلة، لا للتعميم.
الطائرة الورقية ليست «هدفًا» بذاتها
هذه النقطة تستحق التوقف. وجود سابقة لا يعني أن كل تكرار لها يحمل النتيجة نفسها. ففي 2018، وثقت OCHA استخدام طائرات ورقية وبالونات حارقة، بل وأشارت إلى تقارير إسرائيلية عن وجود أجهزة متفجرة في بعض الطائرات والبالونات التي جرى تحييدها. لكن في 2026، لدينا حالات موثقة وصلت فيها طائرات ورقية إلى الجانب الإسرائيلي ولم يجد الجيش الإسرائيلي فيها شيئًا مشبوهًا. إذن: لا يمكن اختصار 2018 في 2026 دون فحص كل واقعة على حدة. وهذه بالضبط هي المنطقة التي يغيب فيها التبسيط الإعلامي.
الطفل يدخل منطقة الخطر
الأكثر إثارة للقلق أن الإجراءات الأمنية لم تبقَ في الجانب العسكري. رويترز أفادت بأن السلطات في غزة، بالتنسيق مع حماس، حثت الآباء على منع الأطفال من إطلاق الطائرات الورقية خوفًا من التصعيد الإسرائيلي. وبذلك أصبح الطفل نفسه أمام معادلة جديدة: إذا طار بالطائرة → قد يثير الخوف – إذا وصلت إلى الجانب الآخر → قد تتحول إلى قضية أمنية – إذا أطلقها من منطقة معينة → قد تدخل المنطقة في دائرة التهديد. اللعبة التي كانت تمنح الطفل دقائق من الحياة الطبيعية أصبحت مصدرًا للخوف.
طفل عمره 4 سنوات.. لكن لا علاقة مثبتة بالطائرة في 23 أغسطس، أفادت رويترز بمقتل طفل فلسطيني يبلغ أربع سنوات وإصابة آخرين في ضربات إسرائيلية على قطاع غزة، في سياق سبقته تحذيرات إسرائيلية بشأن إطلاق طائرات مسيرة وبالونات وطائرات ورقية من القطاع. رويترز أفادت بأن الطفل توفي بعد إصابته بالحطام والشظايا الناتجة عن إحدى الضربات.
اللعبة التي اختفت من السماء
في غزة، لا تبدو المسألة مجرد منع لعبة. الطفل الذي يعيش وسط حرب لا يمتلك مساحات كثيرة للعب. وعندما تصبح الطائرة الورقية مصدر خطر، فإن مساحة أخرى من الحياة المدنية تنكمش. الأمم المتحدة تعتبر اللعب حقًا من حقوق الطفل، فيما تنص المادة 31 من اتفاقية حقوق الطفل على حق الطفل في الراحة ووقت الفراغ واللعب والأنشطة الترفيهية المناسبة لسنه.
وهنا تظهر المفارقة الإنسانية: كلما زادت الحرب، احتاج الطفل إلى اللعب أكثر. لكن كلما زاد التصعيد، أصبحت مساحة اللعب أضيق.
من 2018 إلى 2026.. ثماني سنوات من «إعادة تعريف السماء»
يمكن تلخيص رحلة الطائرة الورقية في غزة في أربع مراحل:
المرحلة الأولى | 2018
الطائرة الورقية تدخل المواجهة كوسيلة لإشعال الحرائق.
تقارير الأمم المتحدة توثق مئات الحرائق وأضرارًا بملايين الدولارات.
المرحلة الثانية | ما بعد 2018
تنخفض الظاهرة بعد التهدئة، وتوثق OCHA انخفاضًا كبيرًا في إطلاق الطائرات والبالونات الحارقة عقب وقف إطلاق النار في أغسطس 2018.
المرحلة الثالثة | ما بعد 7 أكتوبر 2023
يتغير الإدراك الأمني الإسرائيلي للحدود وغزة بالكامل.
المرحلة الرابعة | أغسطس 2026
تعود الطائرات الورقية، لكن بعض الحالات الجديدة لا تحمل مواد خطرة بحسب الفحوص الإسرائيلية، بينما تتحول الظاهرة نفسها إلى قضية أمنية وتصعيد سياسي.
السؤال الذي لم تجب عنه الحرب
إذا كانت الطائرة الورقية تحمل مادة حارقة، فهناك تهديد يمكن قياسه. إذا كانت تحمل متفجرات، فهناك تهديد واضح. لكن ماذا لو كانت تحمل شيئًا واحدًا فقط: الهواء؟ – هل يكفي أن تعبر الحدود لكي تصبح تهديدًا؟ – وهل يكفي أن تأتي من غزة لكي تفقد صفتها المدنية؟ – وهل يمكن أن تتحول لعبة طفل إلى سبب لمعاقبة أو إخلاء سكان منطقة كاملة؟ ، هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالخوف وحده. ولا بالذاكرة وحدها. ولا بالتصريحات السياسية. بل تحتاج إلى أدلة لكل واقعة، وتقييم لكل جسم، وتحديد لكل مستخدم، وتناسب لكل رد.
الحرب لا تغيّر الأشياء فقط.. بل تغيّر معانيها
في 2018، كانت الطائرة الورقية أداة استخدمها بعض الفلسطينيين لإشعال الحرائق. في 2026، عادت طائرات ورقية إلى المشهد، لكن بعض ما وصل منها إلى إسرائيل لم يكن يحمل مواد خطرة وفق التقييم العسكري الإسرائيلي. ومع ذلك، أصبح مجرد إطلاقها سببًا لتحذيرات وتصعيد وتهديدات. وبين الواقعتين حدث شيء أكثر خطورة من تغير الطائرة نفسها:
تغير معناها. أصبحت اللعبة تحمل ذاكرة حرب ، وأصبح الخيط يحمل احتمالًا أمنيًا ، وأصبح الطفل الذي يرفع رأسه إلى السماء يعيش تحت سؤال لا يفهمه: هل ما أفعله لعب.. أم أصبح في عين الحرب هدفًا؟ وهنا لا تكون القضية الحقيقية: «هل الطائرة الورقية سلاح؟» بل: «من يملك حق تعريف السلاح؟» لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحرب ليس أن تتحول اللعبة إلى سلاح. بل أن يتحول الاشتباه في اللعبة إلى مبرر للتعامل معها كسلاح قبل إثبات ذلك.


