- الصين تمر من «الأبواب» اليابانية
- خط الدفاع الذي بدأ من الجزر
- السلاح الجديد: لا تحتاج إلى مطاردة السفينة
- «مياكو».. الباب الذي لا يمكن تجاهله
- اليابان لا تغلق المضيق.. والقانون يمنع التبسيط
- من «الحصار» إلى «التحكم في المخاطر»
- الصين نفسها تدفع اليابان إلى إعادة التفكير
- تايوان.. الحلقة التي تغير كل الحسابات
- الولايات المتحدة في الخلفية
- هل تستطيع الصين تجاوز «الجدار الياباني»؟
- من «الجزر النائية» إلى شبكة إنذار مبكر
- اليابان والصين تتدربان على المرور نفسه
- «أبواب الصين الثمانية».. أين تقع المعركة الحقيقية؟
- اليابان لا تريد «حبس» الصين.. بل رفع ثمن خروجها
أبو ظبى ، الامارات – من مراقبة المضائق إلى امتلاك القدرة على تعطيلها.. طوكيو تعيد بناء خط دفاعها الجنوبي، فيما تختبر البحرية الصينية مرارًا بواباتها نحو المحيط الهادئ ، ليست كل الحروب البحرية بحاجة إلى إغلاق المضائق. أحيانًا يكفي أن تجعل المرور فيها مكشوفًا، وأن تعرف متى تدخل القطع البحرية وإلى أين تتجه، وأن تمتلك من الصواريخ والطائرات والغواصات وأجهزة الاستشعار ما يجعل عبورها في زمن الحرب مخاطرة لا يمكن تجاهلها.
هذه هي النقطة التي تكشف جانبًا أقل تناولًا في سباق التسلح بين اليابان والصين. فطوكيو لا تعلن خطة لإغلاق الممرات البحرية أمام الصين، ولا تستطيع ببساطة أن تحول المضائق الدولية إلى أبواب مغلقة في وقت السلم. لكن اليابان تعيد منذ سنوات بناء وجود عسكري كثيف في جزرها الجنوبية الغربية، وتضيف إليه صواريخ بعيدة المدى وقدرات استطلاع ومراقبة، في منطقة تقع تحديدًا على الطريق الذي تستخدمه البحرية الصينية بصورة متزايدة للوصول إلى المحيط الهادئ. وهنا يظهر السؤال الأكثر خطورة: هل تبني اليابان شبكة تستطيع من خلالها تحويل جغرافية جزرها إلى سلاح، بحيث يصبح خروج البحرية الصينية من شرق آسيا أصعب من دون أن تعلن طوكيو حصارًا رسميًا؟
الصين تمر من «الأبواب» اليابانية
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت تحركات البحرية الصينية عبر المياه المحيطة بجزر اليابان الجنوبية الغربية حدثًا متكررًا. وتُظهر سجلات هيئة الأركان المشتركة اليابانية مرور سفن صينية عبر المنطقة الواقعة بين جزيرة أوكيناوا الرئيسية وجزيرة مياكو، إلى جانب استخدام ممرات أخرى في جنوب اليابان. وفي يوليو 2025، أعلنت اليابان رصد فرقاطتين صينيتين من طراز «جيانكاي-2» تتحركان عبر المنطقة بين أوكيناوا ومياكو، ثم باتجاه منطقة يوناغوني. والأمر لم يكن حادثًا منفردًا.
سجلات الجيش الياباني لعام 2025 تتضمن عشرات الإعلانات عن تحركات سفن صينية في جنوب غرب اليابان، بينها عبور منطقة أوكيناوا–مياكو، ومضيق تسوشيما، ومضيق أوسومي، وهي مسارات تكتسب أهمية متزايدة مع توسع نشاط البحرية الصينية في غرب المحيط الهادئ. وفي ديسمبر 2025، رصدت اليابان حاملة الطائرات الصينية «لياونينغ» وهي تتحرك عبر المنطقة بين أوكيناوا ومياكو، مع تسجيل عمليات إقلاع وهبوط لطائراتها. المعنى الاستراتيجي لهذه التحركات لا يتعلق فقط بالمسافة التي قطعتها السفن. إنها تعني أن البحرية الصينية تختبر عمليًا طرق الوصول إلى المحيط الهادئ عبر السلسلة اليابانية من الجزر.
خط الدفاع الذي بدأ من الجزر
على الخريطة تبدو جزر اليابان الجنوبية الغربية كأنها سلسلة متناثرة بين اليابان وتايوان ، لكن بالنسبة للمخطط العسكري، هذه الجزر يمكن أن تتحول إلى شبكة متصلة من أجهزة الاستشعار والقواعد الصاروخية. وزارة الدفاع اليابانية تقول صراحة إنها عززت وجود قوات الدفاع الذاتي في يوناغوني ومياكو وأمامي وإيشيغاكي، ونشرت هناك وحدات مراقبة ساحلية، ووحدات أمنية، وصواريخ أرض–بحر وصواريخ أرض–جو. وفي مياكو تحديدًا، تظهر البنية العسكرية اليابانية وجود وحدة أمنية ووحدات دفاع جوي ووحدة صواريخ مضادة للسفن. أما وزير الدفاع الياباني فقد وصف تعزيز الانتشار في هذه الجزر بأنه جزء من التعامل مع ما تعتبره طوكيو بيئة أمنية هي الأكثر صعوبة وتعقيدًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهكذا تتحول الجزر من مواقع جغرافية إلى محطات مراقبة وإطلاق.
السلاح الجديد: لا تحتاج إلى مطاردة السفينة
التغيير الأكبر في العقيدة اليابانية لا يتعلق فقط بعدد الجنود في الجزر. إنه يتعلق بالمسافة التي تستطيع اليابان من خلالها الاشتباك مع خصمها. في مارس 2026، أعلنت وزارة الدفاع اليابانية نشر أول صواريخ يابانية محلية الصنع من فئة الأسلحة بعيدة المدى خارج نطاق الخطر المباشر. وشملت عملية النشر النسخة المطورة من صاروخ Type-12، الذي أصبح يحمل اسم Type-25 SSM، إلى جانب المقذوف الانزلاقي فائق السرعة Type-25 HVGP. وقالت الوزارة إن هذه القدرات تسمح لليابان بالتصدي لقوات مهاجمة من خارج منطقة التهديد. وفي خططها الدفاعية، تتحدث طوكيو أيضًا عن تطوير قدرات صاروخية طويلة المدى، بما في ذلك صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت وقدرات دفاعية مخصصة للجزر. وهذا يغير معادلة المضيق. فبدلًا من أن تحتاج اليابان إلى وضع سفينة حربية أمام سفينة صينية، يمكنها نظريًا أن تجعل الاقتراب من منطقة معينة محفوفًا بخطر الصواريخ الموجودة على اليابسة.
«مياكو».. الباب الذي لا يمكن تجاهله
إذا كانت هناك نقطة تستحق أن تكون مركز التحقيق، فهي المنطقة الواقعة بين أوكيناوا ومياكو. لماذا؟ لأنها تقع ضمن سلسلة الجزر التي تمر عبرها السفن الصينية أثناء انتقالها من بحر الصين الشرقي باتجاه غرب المحيط الهادئ. السجلات اليابانية تظهر تكرار عبور السفن الصينية لهذه المنطقة في اتجاهات مختلفة، بما في ذلك سفن قتالية وسفن استطلاع وحاملات طائرات. ولا يعني ذلك أن الصين «محاصرة» هناك. العكس هو الصحيح ، البحر واسع، والصين تمتلك أكثر من مسار بحري، كما أن الأسطول الصيني يستطيع استخدام طرق أخرى حول اليابان. لكن أهمية مياكو تكمن في أنها تمنح اليابان موقعًا متقدمًا للمراقبة والتعامل مع أي قوة بحرية تتحرك عبر هذه المنطقة. وهنا تتحول الجغرافيا إلى عامل عسكري.
اليابان لا تغلق المضيق.. والقانون يمنع التبسيط
هناك تفصيل قانوني مهم يجب ألا يغيب عن أي تحقيق جاد في هذه القضية. اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تمنح السفن والطائرات حق «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ولا يجوز للدول المشاطئة أن تعرقل هذا المرور عندما تنطبق شروط النظام القانوني الخاص بالمضائق. وتنص المادة 44 بوضوح على أن الدول المطلة على المضائق لا يجوز لها عرقلة المرور العابر، كما تنص على عدم جواز تعليق هذا الحق. بل إن اليابان نفسها اتخذت تاريخيًا قرارًا بالإبقاء على المياه الإقليمية عند ثلاثة أميال بحرية في خمسة مضائق رئيسية، بينها تسوشيما وتسوجارو وأوسومي، بدلًا من تطبيق حد الـ12 ميلًا بصورة كاملة. وكان أحد أسباب ذلك مرتبطًا بالنظام الدولي للمضائق وحرية الملاحة. لذلك فإن عبارة «اليابان ستغلق المضائق أمام الصين» ستكون مبالغة غير دقيقة. لكنها لا تلغي السؤال العسكري. فالقانون شيء، وقدرة الدولة على مراقبة واستهداف القوة المعادية في ظروف الحرب شيء آخر.
من «الحصار» إلى «التحكم في المخاطر»
السيناريو الأكثر واقعية ليس أن تضع اليابان بوابة حديدية في البحر. بل أن تبني نظامًا يجعل أي تحرك صيني معروفًا ومراقبًا وقابلًا للتعامل معه. المعادلة تصبح: رادار + أقمار صناعية + طائرات استطلاع + غواصات + صواريخ مضادة للسفن + صواريخ بعيدة المدى + قواعد متقدمة. وهذه ليست فرضية مستوردة بالكامل من الخارج؛ فاليابان تقول رسميًا إنها عززت قدراتها في جزر الجنوب الغربي، كما أن خططها الدفاعية تتضمن قدرات «الوقوف خارج نطاق التهديد» وقدرات صاروخية بعيدة المدى. والنتيجة المحتملة هي إنشاء ما يشبه «فقاعة نيران» حول بعض الممرات الاستراتيجية. ليست منطقة مغلقة قانونيًا. لكنها قد تصبح منطقة شديدة الخطورة عسكريًا في حالة الحرب.
الصين نفسها تدفع اليابان إلى إعادة التفكير
المفارقة أن بعض التحركات الصينية التي تقلق طوكيو هي نفسها التي تجعل أهمية هذه الجزر أكبر. ففي 2025، سجلت اليابان تحركات متكررة لسفن صينية عبر المنطقة الجنوبية الغربية، بما في ذلك مياكو وتسوشيما وأوسومي. وفي 2026، واصلت هيئة الأركان اليابانية الإعلان عن تحركات بحرية صينية عبر مضيق تسوشيما، بما في ذلك سفن من طرازات متقدمة. وبذلك أصبحت الجزر اليابانية الجنوبية الغربية تقع في قلب معادلة أوسع: الصين تريد الوصول إلى المحيط الهادئ ، واليابان تريد ألا يتحول محيطها الجنوبي إلى ممر مفتوح بلا مراقبة.
تايوان.. الحلقة التي تغير كل الحسابات
لا يمكن فهم الاستراتيجية اليابانية من دون تايوان. فالجزر اليابانية الجنوبية الغربية تقع بالقرب من تايوان، وأي صراع حول الجزيرة قد يجعل هذه المنطقة من أكثر مناطق آسيا حساسية. وفي وثيقة الدفاع اليابانية، تصف طوكيو الصين بأنها «أكبر تحدٍ استراتيجي» لليابان، وتشير إلى النشاط الصيني المتزايد حول تايوان وفي شرق الصين وغرب المحيط الهادئ. وفي أغسطس 2026، كانت تايوان نفسها تكثف استعداداتها الدفاعية أمام احتمال هجوم صيني، بما في ذلك تعزيز استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى. وهنا تظهر أهمية الجزر اليابانية: إذا اندلع صراع حول تايوان، فلن تكون المعركة محصورة في الجزيرة نفسها. قد تصبح الممرات البحرية والجزر والقواعد الموجودة حولها جزءًا من معركة أوسع للسيطرة على من يستطيع دخول غرب المحيط الهادئ ومن يستطيع الخروج منه.
الولايات المتحدة في الخلفية
هناك عامل آخر يجعل حسابات اليابان مختلفة عن أي قوة منفردة. إنها التحالف مع الولايات المتحدة. فالوجود العسكري الأمريكي في اليابان يشمل منظومات دفاع صاروخي ورادارات وقدرات بحرية وجوية، فيما تعتمد الاستراتيجية الأمريكية في غرب المحيط الهادئ على شبكة من الحلفاء والقواعد والمواقع المتقدمة. وبالتالي فإن القدرة اليابانية على مراقبة الجزر الجنوبية لا يجب أن تُقرأ باعتبارها قدرة يابانية منفردة فقط. في أي أزمة كبيرة، قد تصبح هذه الشبكة جزءًا من منظومة أوسع تشمل القوات الأمريكية والقوات اليابانية، وربما قدرات دول أخرى في المنطقة.
هل تستطيع الصين تجاوز «الجدار الياباني»؟
نعم ، السلسلة اليابانية ليست جدارًا حديديًا. الصين قوة بحرية كبيرة، وتمتلك عددًا متزايدًا من القطع القادرة على العمل بعيدًا عن السواحل الصينية. كما أن المرور من ممر واحد ليس شرطًا دائمًا للوصول إلى المحيط الهادئ. لكن المشكلة العسكرية ليست في إمكانية المرور فقط. إنها في تكلفة المرور. كلما زادت قدرة اليابان على اكتشاف القطع البحرية مبكرًا، وتحديد موقعها، وتتبعها، وإبقاء الأسلحة بعيدة المدى في وضع يسمح باستهدافها، أصبحت حرية الحركة الصينية أكثر تعقيدًا.وهذا هو جوهر استراتيجية «المنع» الحديثة.
من «الجزر النائية» إلى شبكة إنذار مبكر
المثير في التحول الياباني أن طوكيو لا تبني قاعدة عسكرية ضخمة في كل جزيرة. بل تبني شبكة ، جزيرة تراقب ، وأخرى تستضيف صواريخ ، وثالثة توفر دفاعًا جويًا ، ورابعة تدعم القوات ، ثم ترتبط هذه المواقع بالطائرات والسفن والأقمار الصناعية ومراكز القيادة. وزارة الدفاع اليابانية أعلنت بالفعل إنشاء وتوسيع وحدات في يوناغوني ومياكو وإيشيغاكي وأمامي، مع وحدات ساحلية وصاروخية ودفاع جوي. هذه ليست «بوابة واحدة». إنها سلسلة أبواب. ولهذا فإن وصفها بأنها «شبكة خنق» أكثر دقة من الحديث عن «حصار مضيق».
اليابان والصين تتدربان على المرور نفسه
الصين لا تختبر فقط قدرتها على الوصول إلى المحيط. ، واليابان لا تختبر فقط قدرتها على الدفاع عن الجزر. الجانبان، عمليًا، يتعلمان من تحركات بعضهما البعض. كل عبور صيني يوفر بيانات وخبرة ، وكل عملية مراقبة يابانية توفر خبرة مضادة ، وكلما تكررت التحركات، أصبح الطرفان أكثر معرفة بمواقع الآخر وقدراته وأنماط عمله. وهنا يتحول البحر إلى مختبر عسكري دائم حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة.
«أبواب الصين الثمانية».. أين تقع المعركة الحقيقية؟
إذا اندلعت مواجهة واسعة في غرب المحيط الهادئ، فلن يكون السؤال: هل تستطيع اليابان إغلاق الصين؟ ، بل: كم من الأبواب تستطيع اليابان مراقبته؟ وكم منها تستطيع جعله خطرًا؟ ، وتشمل الصورة الأوسع: مياكو – يوناغوني – تسوشيما – أوسومي – طرق بحر الصين الشرقي – الممرات حول تايوان – وبوابات جنوب شرق آسيا ، وبعض هذه الممرات ليس تحت السيطرة اليابانية أصلًا. لكنها جميعًا تدخل في معادلة واحدة: من يسيطر على حركة الأساطيل بين البحار المغلقة والمحيط المفتوح؟
اليابان لا تريد «حبس» الصين.. بل رفع ثمن خروجها
المؤشرات المتاحة لا تثبت وجود خطة يابانية معلنة لإغلاق المضائق أمام الصين. لكنها تثبت تحولًا أكبر. اليابان تعيد بناء وجود عسكري في جزرها الجنوبية الغربية، وتنشر صواريخ مضادة للسفن، وتطور أسلحة بعيدة المدى، وتكثف المراقبة، بينما تتحرك البحرية الصينية بصورة متزايدة عبر المناطق نفسها. لذلك فإن التعبير الأكثر دقة ليس: «اليابان تغلق المضائق أمام الصين» ، بل: «اليابان تبني القدرة على جعل المضائق التي تحتاجها الصين ساحات مراقبة واستهداف في أي حرب مقبلة». وهنا تكمن المفارقة. ففي زمن الحرب، قد لا تحتاج طوكيو إلى إغلاق الباب. قد يكفي أن تجعل الصين تعرف أن الباب مفتوح.. لكن عبوره قد يكون أخطر قرار تتخذه.


