أبو ظبى ، الامارات ـ في مضيق هرمز، تتصارع روايتان سياسيتان متناقضتان؛ واشنطن تقول إن الممر الملاحي مفتوح، بينما تؤكد طهران أنه لا يزال مغلقًا أمام حركة الشحن. لكن بعيدًا عن التصريحات، تقدم السفن رواية ثالثة أكثر هدوءًا وأصعب في التجاهل: الممر لم يعد يعمل بصورة طبيعية. فبحسب أحدث بيانات تتبع الملاحة التي أوردتها «رويترز» في 19 أغسطس، عبرت 6 سفن للسلع الأساسية فقط مضيق هرمز يوم الثلاثاء، مقابل 9 سفن في اليوم السابق، وبمتوسط حديث يقارب 11 عبورًا يوميًا. وبين السفن الست ناقلة نفط عملاقة دخلت من الجانب العُماني وناقلتان أخريان، فيما خرجت ثلاث سفن. وهكذا يصبح السؤال الأهم في أزمة هرمز ليس: من يقول الحقيقة؟ بل: إذا كان المضيق مفتوحًا فعلًا، فلماذا لا تتصرف السفن والشركات كما لو أنه مفتوح؟
عداد السفن يكشف ما لا تقوله التصريحات
تظهر بيانات الأسابيع الأخيرة أن حركة الملاحة لم تستعد نمطها الطبيعي، رغم وجود عبور فعلي للسفن. في 7 أغسطس، بلغ عدد السفن التي عبرت هرمز خلال الأيام الأربعة الأولى من الأسبوع 33 سفينة، مقابل 50 في الفترة المماثلة من الأسبوع السابق. وفي 11 أغسطس هبط عدد السفن العابرة إلى ست فقط، مقابل متوسط يقارب 11 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة. وفي 14 أغسطس، ارتفع العدد مؤقتًا إلى تسع سفن، لكنه ظل دون متوسط أغسطس البالغ نحو 12 سفينة يوميًا، وفق بيانات Kpler التي نقلتها «رويترز». ثم جاءت عطلة نهاية الأسبوع لتقدم إشارة أكثر وضوحًا؛ إذ عبرت خمس سفن فقط يوم السبت، ولم تسجل بيانات التتبع أي عبور يوم الأحد، مقارنة بـ31 سفينة في عطلة نهاية الأسبوع السابقة. هذه الأرقام لا تثبت أن هرمز «مغلق» بالكامل، لكنها تثبت شيئًا مختلفًا وأكثر أهمية اقتصاديًا: المضيق لا يعمل حاليًا كممر تجاري طبيعي.
«مفتوح» عسكريًا.. مغلق اقتصاديًا؟
هنا تكمن المفارقة الأساسية. فقد يكون هناك ممر تستطيع سفن معينة استخدامه، وقد تتمكن بعض الناقلات من العبور بالفعل، لكن ذلك لا يعني أن شركات النقل تعتبر الطريق آمنًا أو قابلًا للاعتماد. في عالم الملاحة التجارية، لا يكفي أن يكون الطريق مفتوحًا جغرافيًا. السفينة تحتاج إلى: تأمين + طاقم + مالك مستعد للمخاطرة + مستأجر + شحنة + ميناء استقبال + مسار قابل للتنبؤ. إذا انهارت واحدة من هذه الحلقات، يمكن أن تتوقف الرحلة حتى لو ظل المضيق مفتوحًا فعليًا أمام بعض السفن. ولهذا فإن السلوك التجاري للسفن يصبح مؤشرًا أكثر أهمية من التصريحات السياسية عند قياس مدى عودة هرمز إلى العمل الطبيعي.
الشركات الصينية تقول شيئًا مختلفًا
أحد أقوى الأدلة يأتي من الصين. فقد أوقفت شركتا الشحن الحكوميتان الصينيتان COSCO Shipping Energy Transportation وChina Merchants Energy Shipping عملياتهما عبر هرمز وباب المندب منذ أواخر يوليو، وفق مصادر نقلت عنها «رويترز». وتتعامل الشركتان مع نحو نصف واردات الصين النفطية من الشرق الأوسط، لكنهما اتجهتا إلى ترتيبات بديلة، بينها عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى خارج المناطق الأكثر خطورة، خصوصًا قرب الفجيرة وسواحل عُمان.
والنتيجة ليست مجرد تغيير في مسار السفن. إنها إعادة حساب اقتصادية كاملة. فبيانات نقلتها «رويترز» تشير إلى ارتفاع تكلفة بعض الرحلات من عُمان إلى الصين إلى نحو 140 ألف دولار يوميًا للسفينة، أي نحو أربعة أمثال مستويات ما قبل الأزمة. بمعنى آخر: السفن تستطيع البحث عن طريق آخر، لكن لا تستطيع فعل ذلك مجانًا.
لماذا تختار السفينة الطريق الأطول؟
القرار البحري لا تحكمه المسافة وحدها. فالناقل قد يفضل أن يدور حول منطقة خطرة بدل الدخول في مضيق يحمل احتمالات تعرضه لهجوم أو احتجاز أو تعطيل. كما أن اضطراب التأمين البحري يمكن أن يحول الرحلة إلى مخاطرة مالية غير مقبولة. وتشير تحليلات شركة Windward المتخصصة في استخبارات الملاحة إلى أن سحب أو تقليص تغطيات مخاطر الحرب كان أحد العوامل الرئيسية وراء الانخفاض الحاد في حركة هرمز خلال مراحل الأزمة. وهنا تظهر معادلة الأزمة: المضيق مفتوح → لكن التأمين مرتفع → المخاطر مرتفعة → تكلفة الرحلة ترتفع → الشركة تعيد توجيه السفينة. وهكذا يمكن أن يصبح الممر مفتوحًا على الخريطة، لكنه مغلقًا اقتصاديًا أمام جزء كبير من التجارة.
السفن لا تصدق التصريحات.. بل تتصرف وفق المخاطر
خلال الأزمة، لم تكن المشكلة دائمًا في عدم قدرة السفن على العبور، بل في قرارها ما إذا كان العبور يستحق المخاطرة. وتكشف بيانات Windward عن مراحل شهدت انخفاضًا شديدًا في حركة العبور، إلى جانب حالات توقف وانتظار وتحويل للمسارات، بينما ظهرت سفن بإشارات AIS غير مستقرة أو غير متاحة، ما يعقد عملية تحديد الحركة الفعلية. وهنا تظهر مشكلة أخرى أمام أي محاولة لقراءة هرمز من خلال الخرائط الرقمية وحدها: اختفاء السفينة من شاشة التتبع لا يعني بالضرورة اختفاءها من البحر. فقد تكون هناك عمليات تشويش على إشارات الملاحة أو إيقاف لنظام AIS أو استخدام ممارسات تجعل تتبع السفينة أكثر صعوبة. لذلك، فإن التحقيق الصحفي الأكثر دقة يحتاج إلى الجمع بين: AIS + بيانات الأقمار الصناعية + بيانات Kpler/Windward + بيانات الموانئ + بيانات التأمين + تصريحات شركات النقل.
ليس كل عبور دليلًا على عودة هرمز
السعودية قدمت مثالًا على ذلك. فقد استأنفت «أرامكو» تحميل النفط من محطات داخل مضيق هرمز بعد توقف مؤقت، مع تحميل ثلاث ناقلات عملاقة بين 12 و16 أغسطس، كل منها تحمل نحو مليوني برميل، كما لجأت الشركة إلى ترتيبات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة الفجيرة. هذا يعني أن التجارة لم تتوقف بالكامل. لكنها أيضًا لم تعد إلى نموذجها التقليدي. فالسؤال ليس: هل خرجت ناقلة؟ ، بل: كم ناقلة خرجت؟ وبأي مسار؟ وبأي تكلفة؟ وتحت أي ترتيبات أمنية وتأمينية؟ وهنا يتغير معنى «الفتح» تمامًا.
هرمز في مواجهة «اختبار السوق»
أسواق الطاقة نفسها تقدم شهادة إضافية. ففي 19 أغسطس، ارتفعت أسعار النفط بنحو 1%، واقترب خام برنت من 91.89 دولارًا للبرميل، بينما بلغ خام غرب تكساس نحو 86.11 دولارًا، في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بحركة النفط عبر هرمز. إذا كان السوق مقتنعًا بأن الممر عاد إلى وضعه الطبيعي، فمن المنطقي أن تتراجع علاوة المخاطر بصورة أكبر. لكن استمرار القلق في أسعار النفط والشحن والتأمين يعكس شيئًا آخر: الأسواق لا تزال تسعّر احتمال استمرار الاضطراب.
هرمز ليس مجرد مضيق
يمر عبر هرمز في الظروف الطبيعية نحو 20% من تجارة النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية، وهو ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه قضية تتجاوز إيران والولايات المتحدة إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. لكن أهمية المضيق لا تأتي فقط من حجم الطاقة التي تمر عبره. إنها تأتي من صعوبة استبداله سريعًا. يمكن للسفينة أن تغير طريقها، لكن:
الرحلة تصبح أطول.
استهلاك الوقود يرتفع.
أجور الشحن ترتفع.
التأمين يرتفع.
عدد السفن المطلوبة لنقل الكمية نفسها قد يرتفع.
التسليم يصبح أبطأ.
والمخزون العالمي يصبح أكثر حساسية لأي تأخير جديد.
ولهذا فإن كل سفينة لا تعود إلى هرمز ليست مجرد سفينة غائبة من الخريطة؛ إنها تكلفة إضافية في الاقتصاد العالمي.
الصين تعيد رسم الطريق
ربما تكون الصين هي الطرف الأكثر دلالة في هذه المعادلة. فبدل انتظار عودة الاستقرار، بدأت شركات صينية كبرى إعادة تنظيم عمليات نقل النفط عبر ترتيبات بحرية خارج الخليج. وهذا يكشف تحولًا مهمًا: الشركات لا تبني قراراتها على احتمال انتهاء الأزمة، وإنما على احتمال استمرارها. وإذا طال هذا الوضع، فقد تتحول الإجراءات المؤقتة إلى ترتيبات طويلة الأجل، وهو ما يعني أن أزمة هرمز يمكن أن تترك أثرًا دائمًا على خريطة تجارة الطاقة حتى بعد تراجع الأعمال العسكرية. السؤال الذي يجب أن يجيب عنه هرمز المشكلة إذن ليست في وجود سفن تعبر المضيق. هناك سفن تعبر بالفعل. وليست في إعلان جهة ما أن المضيق مغلق أو مفتوح. بل في مستوى الحركة واستمراريتها.
يمكن اختصار الوضع الحالي في معادلة واحدة: ممر مفتوح جغرافيًا + حركة منخفضة + شركات تتجنب المخاطر + تأمين مرتفع + مسارات بديلة = مضيق لم يعد طبيعيًا بعد. وهذا يفسر لماذا تبدو الروايتان الأمريكية والإيرانية ناقصتين إذا نظرنا إلى الأزمة من زاوية التجارة وحدها. واشنطن قد تكون قادرة على القول إن هناك طريقًا مفتوحًا. وطهران قد تكون قادرة على التأكيد أن سيطرتها على الحركة تجعل المرور مشروطًا. لكن السفن لا تحتاج إلى تبني أي من الروايتين. هي فقط تتخذ قرارها: أعبر.. أنتظر.. أغيّر المسار.. أو لا أبحر.


