القاهرة ، مصر ـ تُمثل جماعة الإخوان المسلمين أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا في التاريخ السياسي المصري الحديث، إذ انتقلت علاقتها بالدولة خلال ما يقرب من قرن بين التعاون والصدام. كما انتقلت بين الانفتاح والتضييق، ثم الوصول إلى الحكم قبل العودة إلى العمل خارج المجال السياسي الرسمي.
ومنذ تأسيس الجماعة عام 1928، ظلت العلاقة مع السلطة المصرية مرتبطة بسؤال أساسي حول طبيعة الدولة وحدود الدور السياسي للحركات الإسلامية. وتبدلت هذه العلاقة بصورة واضحة مع تعاقب الرؤساء جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك. وبعد ذلك جاء الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد عزل محمد مرسي عام 2013.
عبد الناصر.. من التقارب إلى المواجهة
بدأت علاقة الإخوان بقيادة ثورة يوليو 1952 بصورة أكثر تعقيدًا من صورة الصدام التي ارتبطت بالسنوات اللاحقة. فالجماعة كانت قد أقامت قنوات اتصال مع الضباط الأحرار قبل الثورة، لكنها سرعان ما دخلت في خلاف مع قيادة النظام الجديد بشأن شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي. ومع ترسيخ عبد الناصر سلطته، أصبح الخلاف بين الطرفين أكثر حدة، خصوصًا مع اختلاف تصور الدولة الناصرية القائم على القومية العربية والاشتراكية عن مشروع الإخوان. وكان مشروع الإخوان قائمًا على مرجعية إسلامية للحياة السياسية والاجتماعية.
وفي أكتوبر 1954، وقعت محاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، واتهمت السلطات الإخوان بالوقوف وراءها، بينما لا تزال بعض الدراسات التاريخية تناقش تفاصيل الحادث ودور التنظيم فيه. وأعقب الواقعة اعتقال واسع لقيادات وأعضاء الجماعة. وكان من أبرز المعتقلين المفكر سيد قطب، الذي أصبح لاحقًا أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في الفكر الإسلامي الراديكالي. وقد أُعدم لاحقًا عام 1966. وبذلك انتقلت الجماعة في عهد عبد الناصر من محاولة التعايش مع النظام الجديد إلى الحظر والملاحقة والسجون. ودخلت الجماعة بذلك مرحلة طويلة من العمل غير العلني.
السادات.. إعادة بناء التنظيم
مع وصول أنور السادات إلى الرئاسة عام 1970، تغيرت سياسة الدولة تجاه الإسلاميين. وأطلق السادات عددًا من المعتقلين الإسلاميين، وسمح بهامش أوسع للنشاط الديني، في إطار إعادة ترتيب المشهد السياسي ومواجهة التيارات الناصرية واليسارية التي كانت تتمتع بنفوذ داخل المجتمع والدولة. واستفادت جماعة الإخوان من هذه المرحلة لإعادة بناء شبكاتها التنظيمية والاجتماعية. ومع ذلك، استمر عدم الاعتراف بها كحزب سياسي رسمي.
لكن الانفتاح لم يتحول إلى تحالف دائم. ففي السنوات الأخيرة من حكم السادات تصاعدت المواجهة مع جماعات إسلامية متشددة، وانتهت باغتياله في أكتوبر 1981 على يد أعضاء في تنظيم الجهاد الإسلامي. وتؤكد المصادر التاريخية ضرورة التمييز بين جماعة الإخوان وتنظيم الجهاد الذي نفذ عملية الاغتيال، رغم وجود خلفية إسلامية مشتركة بين عدد من التيارات التي نشطت في تلك الفترة.
مبارك.. المعارضة المنظمة من خارج النظام
اتبع حسني مبارك، الذي تولى الحكم بعد اغتيال السادات، سياسة أكثر حذرًا تجاه الإخوان. وظلت الجماعة محظورة رسميًا، لكنها تمكنت من بناء حضور اجتماعي وسياسي واسع. وشارك مرشحوها في الانتخابات البرلمانية كمستقلين أو من خلال تحالفات مع أحزاب قانونية.
وفي انتخابات 1984 دخل مرشحون مرتبطون بالإخوان في تحالف مع حزب الوفد، ثم واصلت الجماعة توسيع حضورها البرلماني خلال التسعينيات وبداية الألفية. وكانت انتخابات مجلس الشعب عام 2005 نقطة تحول مهمة؛ إذ فاز مرشحو الإخوان بـ88 مقعدًا، ليصبحوا أكبر كتلة معارضة في البرلمان. لكن هذا الصعود السياسي تزامن مع استمرار الاعتقالات والقيود الأمنية. وجاء ذلك خصوصًا مع تنامي المخاوف داخل الدولة من تحول الجماعة من قوة اجتماعية معارضة إلى بديل سياسي محتمل.
2011.. سقوط مبارك وفتح المجال السياسي
أدت ثورة 25 يناير 2011 إلى تغيير جذري في وضع الجماعة. فبعد عقود من الحظر، أصبح الإخوان قادرين على العمل السياسي بصورة علنية، وأنشأت الجماعة حزب الحرية والعدالة كذراع سياسية لها. وفي الانتخابات البرلمانية التي أعقبت الثورة، حقق الحزب وحلفاؤه الإسلاميون نتائج كبيرة، قبل أن ينتقل الصراع إلى الانتخابات الرئاسية. وفي يونيو 2012 أُعلن فوز محمد مرسي بالرئاسة. وبهذا أصبح أول رئيس ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين يصل إلى منصب الرئاسة في مصر.
مرسي.. الجماعة تصل إلى السلطة
مثّل وصول محمد مرسي إلى الرئاسة لحظة غير مسبوقة في تاريخ الإخوان. لكن تجربة الحكم واجهت سريعًا صدامات مع القضاء والمؤسسة العسكرية والقوى السياسية المعارضة. كما ظهرت أزمة اقتصادية واستقطاب مجتمعي متزايد. وفي نوفمبر 2012 أصدر مرسي إعلانًا دستوريًا وسّع من صلاحيات الرئاسة وحصّن قرارات رئاسية وجمعية تأسيس الدستور من الرقابة القضائية، قبل أن يتراجع عن جانب من الإجراءات تحت ضغط الاحتجاجات.
كما أثارت عملية صياغة الدستور الجديد خلافات واسعة، خصوصًا بين الإخوان والقوى الليبرالية والعلمانية واليسارية، بشأن شكل الدولة والحقوق والحريات وصلاحيات مؤسسات الحكم. ومع تصاعد الاحتجاجات ضد مرسي، ظهرت حركة «تمرد» التي طالبت بانتخابات رئاسية مبكرة. وفي 3 يوليو 2013 أعلن وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي عزل مرسي وتعطيل الدستور. وتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور رئاسة البلاد مؤقتًا.
السيسي.. من عزل مرسي إلى حظر الجماعة
دخلت جماعة الإخوان بعد عزل مرسي مرحلة جديدة هي الأكثر صدامًا مع الدولة منذ عهد عبد الناصر. وشنت السلطات حملة واسعة على قيادات الجماعة وأعضائها، فيما تعرضت مؤسسات وأموال مرتبطة بها لإجراءات قانونية. وأعلنت الحكومة المصرية في ديسمبر 2013 جماعة الإخوان المسلمين تنظيمًا إرهابيًا، بعد تفجير مديرية أمن الدقهلية. رغم إعلان جماعة أنصار بيت المقدس مسؤوليتها عن الهجوم. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الجماعة خارج النظام السياسي الرسمي، بينما تعرض آلاف من أعضائها وقياداتها للاعتقال أو غادروا البلاد.
الإخوان بعد 2013
أدى سقوط حكم مرسي إلى تفكيك جزء كبير من البنية السياسية والتنظيمية العلنية للجماعة. وتوزعت قيادات وأعضاء بين السجون، والعمل السري داخل مصر، والإقامة في الخارج. بينما ظهرت خلافات داخلية حول القيادة وأساليب العمل السياسي والتنظيمي. وتقول السلطات المصرية إن الإجراءات المتخذة ضد الجماعة تستهدف مواجهة الإرهاب وحماية الأمن القومي. في المقابل، تعتبر منظمات حقوقية دولية أن جانبًا من الحملة شمل قمعًا واسعًا للمعارضة السياسية.
التحول الأمريكي في 2026
شهد عام 2026 تطورًا دوليًا مهمًا في التعامل مع الإخوان. ففي يناير، أعلنت الولايات المتحدة تصنيف الفروع المصرية واللبنانية والأردنية للجماعة باعتبارها «منظمات إرهابية عالمية مصنفة». وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن القرار استند، من بين أسباب أخرى، إلى اتهامات بدعم أو تشجيع أعمال عنف ودعم حركة حماس. ورحبت القاهرة بالقرار الأمريكي.
وكانت إدارة الرئيس دونالد ترامب قد بدأت إجراءات التصنيف في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قبل صدور القرار النهائي في يناير 2026. ويمثل هذا القرار تحولًا في الموقف الأمريكي من فرع الجماعة المصرية، بعد سنوات من عدم تصنيف الإخوان المصريين كمنظمة إرهابية من جانب واشنطن.


