بروكسل ، بلجيكا – تواجه القارة الأوروبية اختبار إجهاد تاريخي وغير مسبوق لمعايير سوق الطاقة الحديثة، إثر التوقعات المرتقبة بحدوث انخفاض حاد وسريع للغاية في إنتاج الكهرباء من الخلايا الكهروضوئية. يتزامن هذا مع كسوف كلي للشمس من المقرر أن يشهدته يوم الأربعاء 12 أغسطس 2026. وتأتي الظاهرة الفلكية في توقيت بالغة الحساسية، إذ يتعرض نظام الكهرباء الأوروبي لضغوط هائلة جراء موجة حر طويلة الأمد أدت إلى انخفاض حاد في احتياطيات المياه ومستويات توليد الطاقة التقليدية.
كسوف الشمس وتراجع قياسي في الطاقة الشمسية
وفقا للبيانات الصادرة عن اتحاد مشغلي أنظمة نقل الكهرباء في أوروبا (ENTSO-E)، فإنه في ظل ظروف السماء الصافية، يحتمل أن ينخفض إنتاج الطاقة الكهروضوئية في عموم القارة بما يصل إلى 9.7 جيجاواط خلال ساعات الكسوف. ويكمن التحدي الحقيقي في سرعة التغير؛ إذ سينخفض إشعاع الشمس بصورة حادة ومفاجئة. ثم يعود للارتفاع تدريجيا مع ابتعاد القمر عن قرص الشمس. لهذا يضع مراكز التحكم والسيطرة أمام اختبار دقيق للموازنة الفورية بين العرض والطلب.
وتعد إسبانيا في صدارة الدول التي ستواجه التحدي الأكبر؛ نظرا لأن الكسوف سيكون كليا فوق أجزاء واسعة من شمال البلاد.
ويقدر مشغل الشبكة الإسبانية (Red Eléctrica) أن إنتاج الطاقة الشمسية قد يتراجع بقيمة تصل إلى 5 جيجاواط، وهي خسارة جسيمة تعادل نسبة مئوية ضخمة من إجمالي الطلب المحلي على الكهرباء. ولا يقتصر الأمر على إسبانيا وحدها، بل يمتد ليشمل دول غرب أوروبا الكبرى. ففي بريطانيا وفرنسا وشمال إيطاليا، سيحجب القمر أكثر من 90% من قرص الشمس في لحظات ذروة الظاهرة. وتشير التوقعات في بريطانيا إلى خسارة تتراوح بين 700 ميجاوات و1.3 جيجاواط من الطاقة الشمسية. بينما تشهد هذه اللحظات تزامنا غريبا مع تصاعد الطلب المنزلي، مع عودة ملايين المستهلكين إلى منازلهم واستخدام الأجهزة المنزلية الثقيلة. فضلا عن الاعتماد الكثيف على مكيفات الهواء لمواجهة موجة القيظ.
تداعيات موجة الحر وقيود محطات التوليد التقليدية
لا يعتبر الكسوف الفلكي بحد ذاته تهديدا مباشرا لاستقرار الشبكة الكهربائية، نظرا لأن المشغلين على دراية تامة بمواقيته وحجمه منذ فترة طويلة. بل تكمن المعضلة في تزامنه مع قيود تشغيلية قاسية فرضتها موجة الحر الممتدة.
فقد تسببت درجات الحرارة المرتفعة وانخفاض مستويات المياه في الأنهار والخزانات في إعاقة عمل العديد من محطات الطاقة النووية والحرارية التي تعتمد على مياه التبريد.
وفي فرنسا، تأثرت مفاعلات نووية عديدة بظروف الأنهار المتدنية. بينما اضطرت محطات الفحم في بولندا للحد من عملياتها مؤقتا بسبب انخفاض منسوب نهر فيستولا. علاوة على ذلك، تسجل خزانات الطاقة الكهرومائية في النرويج -التي تعد مصدرا رئيسيا لتصدير الكهرباء إلى بقية القارة- مستويات منخفضة للغاية. والنتيجة الحتمية هي مطالبة أوروبا بإدارة عجز يصل إلى قرابة 10 جيجاواط من الطاقة الشمسية. يأتي هذا في وقت تعمل فيه البدائل الأخرى تحت وطأة قيود قاسية.
جاهزية مشغلي الشبكات وحلول الطوارئ
على الرغم من ضخامة الفاقد الكهربائي، تؤكد الهيئات المعنية عدم وجود أي تحذيرات من انقطاع عام للتيار، إذ أعد مشغلو الشبكات مصادر بديلة واحتياطيات استراتيجية لتعويض النقص. وسيتم سد الفجوة عبر تشغيل محطات الغاز الطبيعي، ورفع كفاءة محطات الطاقة الكهرومائية، وتفعيل أنظمة تخزين الطاقة، والاعتماد على الواردات عبر خطوط الربط البيني الإقليمية.
وفي خطوة استباقية لخفض الأحمال، دعت شركات إمداد كبرى في بريطانيا -مثل “أوكتوبوس إنرجي”- المستهلكين إلى تجنب تشغيل الأجهزة عالية الاستهلاك (مثل الغسالات ومحاليس الأطباق) لبضع ساعات حرجة. وفي المقابل، يعمل عامل زمني واحد لصالح مشغلي الشبكات، وهو حدوث الكسوف في أواخر فترة ما بعد الظهر وأوائل المساء. أما هذا التوقيت فيشهد بطبيعته انخفاضا تدريجيا في كفاءة وإنتاج الخلايا الكهروضوئية. لهذا يسهل عملية إدارة الأحمال والعبور بالموقف بسلام.


