برلين ، ألمانيا – يواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضغوطا سياسية متزايدة في ظل تصاعد الخلافات داخل حزبه حول إدارته للأزمات، ما أثار تكهنات واسعة بشأن إمكانية استبداله قبل انتهاء ولايته. ويعكس هذا الجدل حالة غير مسبوقة من الاضطراب السياسي في ألمانيا التي طالما عدت ركيزة للاستقرار في القارة الأوروبية، بحسب ما أفادت به مجلة “بوليتيكو”.
ضغوط متنامية وتكهنات التغيير
ولا يبدو أن المستشار الألماني يشعر بحجم التهديدات المحيطة بمنصبه مع عودته من العطلة الصيفية. إذ قلل في تصريحات سابقة من تداعيات الخلافات الحزبية الأخيرة بشأن التعديل الحكومي، مفترضا أن الأمور ستعود إلى هدوئها بحلول سبتمبر. ومع اقتراب موعد انتخابات إقليمية حاسمة في الشهر المقبل، ووسط فرص قوية يحظى بها حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف للوصول إلى السلطة في إحدى ولايات شرق البلاد، بدأ يتردد داخل الأوساط السياسية مصطلح “Kanzlertausch” (تغيير المستشار)، في إشارة إلى احتمال استبدال ميرتس بخريف هذا العام. وعلى الرغم من أن الانتقادات العلنية صدرت أساسا عن الوزراء المستبعدين من التعديل الوزاري الأخير، إلا أن نقاشات هادئة تدور بين عدد متزايد من قيادات حزب “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” (CDU) حول هذا السيناريو الاستثنائي بعد مرور أكثر قليلا على عام واحد من توليه المنصب.
تغير المشهد السياسي والاستقرار المهزوز
لطالما اعتبرت ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد أوروبي نموذجا للديمقراطية المستقرة التي لا تعرف التغيير المتسارع للقادة على غرار إيطاليا أو بريطانيا. بيد أن التراجع المتوقع لمحافظي “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” مقابل الصعود القوي لحزب “البديل من أجل ألمانيا” في استطلاعات الرأي –حيث يتصدر المشهد بـ 28% مقابل 21% للمحافظين– أدى إلى قلب قواعد اللعبة.
وتقوم فكرة استبدال ميرتس على رغبة المحافظين في احتواء تداعيات الانتخابات الإقليمية ومنح الحزب دفعة جديدة، خصوصا في ظل التدني القياسي لشعبية ميرتس. إذ أظهر استطلاع حديث لهيئة الإذاعة الألمانية (ARD) أن 13% فقط من الألمان راضون عن أداء مستشارهم، وهي أدنى نسبة تسجل منذ ثلاثة عقود، وتعزى لسياساته المتعلقة بإنعاش الاقتصاد وإصلاح نظامي التقاعد والرعاية.
“تمرد داخل القصر” والسيناريوهات المحتملة
حظي سيناريو “تغيير المستشار” –الذي يطرح فيه هندريك فوست، رئيس وزراء ولاية شمال الراين-وستفاليا، كمرشح أبرز لخلافة ميرتس، باهتمام إعلامي واسع. لاسيما بعد تخصيص مجلة “دير شبيجل” غلافها الأخير للعنوان الرئيس “تمرد داخل القصر”.
ويخشى أعضاء في الحزب من قيام فرع الحزب بالشرق بكسر التعهد التاريخي بعدم التحالف مع اليمين المتطرف حال فوزه في الانتخابات المقبلة.
وتاريخيا، لم تشهد ألمانيا بعد الحرب سوى ثلاث حالات لتولي مستشار جديد السلطة من المعسكر السياسي ذاته؛ كاستقالة أديناور عام 1963، وخلافة إيرهارد، وتنحي فيلي برانت عام 1974. فإذا أجبر ميرتس على التنحي، فإن أقل السيناريوهات إرباكا هو استقالته طواعية. بينما قد يلجأ معارضوه إلى “التصويت البناء بحجب الثقة”، وهو إجراء دستوري قد يتسبب في تفكك الائتلاف الحاكم وإدخال البلاد في أزمة سياسية غير مسبوقة أو انتخابات مبكرة. وفي المقابل، تبرز دعوات للتهذئة من مختلف الأطياف السياسية، محذرة من أن تمزيق الحزب من الداخل لن يخدم سوى تعميق حالة الفوضى في البلاد وأوروبا.


