- ما هي الأدوات التي تهدف لمساعدتكم في إنجاز المشروع، وما هي الدوافع؟
- كيف سيتم توظيف هذه الشهادات والأدلة المجمعة عملياً على الصعيدين الدولي والمحلي لملاحقة المسؤولين وتحقيق العدالة للضحايا؟
- ما هي أبرز الصعوبات اللوجستية والميدانية التي تواجهكم في جمع الشهادات داخل سوريا وخارجها، وكيف تدعون المؤسسات والجهات الحقوقية للمؤازرة؟
- ما هي الخطوات اللاحقة التي ينتظرها المجتمع المسيحي في سوريا بعد اكتمال هذا السجل الحقوقي لضمان رد الحقوق وجبر الضرر؟
دمشق ، سوريا – أعلنت سالي عبيد، العضو المؤسس في “الكونغرس المسيحي السوري“، عن قرب إطلاق مشروع شامل وغير مسبوق لتوثيق كافة الانتهاكات التي تعرض لها المسيحيون في سوريا منذ اندلاع الأزمة في عام 2011 وحتى اليوم. وتأتي هذه الخطوة الحقوقية البارزة بهدف حفظ حقوق المكون المسيحي، وتثبيت السردية القانونية، وإنصاف المتضريين بعد سنوات طويلة من النزاع والتهميش.
وفي مقابلة خاصة أجرتها مع “صوت الإمارات”، أوضحت عبيد الأسباب الكامنة وراء إطلاق هذا المشروع التوثيقي الشامل في هذا التوقيت بالذات، مؤكدة أن تراجع كفاءة وحياد الأطر المؤسساتية الضامنة لحقوق المجتمعات يجعل بناء أطر حقوقية مستقلة ومستدامة ضرورة ملحة. لو أردنا الاقتراب أكثر من المشهد، ما هي الدوافع الأساسية التي أدت إلى إطلاق “الكونغرس المسيحي السوري” لهذا المشروع التوثيقي الشامل في هذا التوقيت بالذات، بعد سنوات طويلة من الأزمة؟
عندما تشهد المجتمعات تراجعاً في كفاءة أو حياد الأطر المؤسساتية الضامنة لحقوقها، تصبح الحاجة إلى بناء أطر حقوقية مستقلة ومستدامة ضرورة وليست خياراً. وجاء إطلاق هذا المشروع استجابةً لواقع حقوقي وسياسي معقد، حيث أسهمت سنوات النزاع وما رافقها من انتهاكات وتهجير وتراجع في مستويات التمثيل السياسي والمؤسساتي في تعميق شعور قطاعات واسعة من المسيحيين السوريين بالتهميش. هناك لحظة فارقة في تاريخ المجتمعات تتوقف فيها عن انتظار من يتحدث نيابة عنها، وتبدأ في صياغة حقائقها بلغة التوثيق والوقائع. اليوم تُرسم ملامح المستقبل السوري، وغياب التوثيق يعني غياب الوقائع، وغياب الوقائع يعني التغييب عن معادلات الحقوق والتعويضات والعدالة.
المسيحيون في سوريا لا يوثقون ليشتكوا، بل لكي لا يُكتب تاريخهم وجغرافيتهم بأقلام غيرهم، ولكي لا تتحول معاناتهم إلى “أضرار جانبية” تُطوى مع أول تسوية سياسية. لذلك يأتي هذا المشروع لحفظ الحقيقة، وتثبيت السردية القانونية، وضمان ألا تضيع حقوق الضحايا في زحمة التحولات السياسية.
ما هي الأدوات التي تهدف لمساعدتكم في إنجاز المشروع، وما هي الدوافع؟
يعتمد المشروع على منظومة توثيقية متكاملة تتوافق مع المعايير الدولية المعتمدة في أدبيات الأمم المتحدة، وترتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
- الأدوات التقنية وإدارة الأدلة: اعتماد بروتوكولات صارمة لجمع الإفادات والبيانات، وتطبيق نظام “سلسلة الحيازة” لضمان سلامة الأدلة وحمايتها من أي عبث.
- المنهجية الحقوقية: تطبيق منهجية التوثيق المتمحورة حول الضحايا والناجين، بما يضمن احترام كرامتهم وحمايتهم.
- الهيكلية المؤسسية: التكامل بين اللجان الميدانية داخل سوريا والخبرات القانونية والحقوقية في الشتات.
الدافع الأساسي هو الانتقال من العمل الحقوقي الفردي والعشوائي إلى نموذج مؤسساتي مستدام يخضع لمبادئ الشفافية والمساءلة.
لا يُعتد بالعاطفة في المحاكم الدولية؛ العاطفة تُقرأ قصيدة، أما الأدلة فتُقرأ أحكاماً. هدفنا هو تحويل المأساة الشفهية إلى أدلة قانونية موثقة، والانتقال من مجرد الحديث عن الانتهاكات إلى القدرة على إثباتها وفق المعايير الدولية. وسط مخاوف الضحايا وذويهم على سلامتهم، ما هي الضمانات والآليات التقنية والقانونية التي يعتمدها المشروع للحفاظ على السرية التامة للمعلومات والإفادات المقدمة؟
يرتكز المشروع على الالتزام المطلق بمبدأ “عدم الإضرار” المعترف به دولياً، ويعتمد مجموعة من الإجراءات الأمنية والقانونية، أبرزها:
- حظر مشاركة أي بيانات أو إفادات مع أي جهة إلا بعد موافقة صريحة وخطية من صاحبها.
- استخدام تقنيات تشفير متقدمة لحماية البيانات، مع سياسات واضحة للاحتفاظ بها أو إتلافها وفق بروتوكولات أمنية محددة.
- الفصل التقني والتنظيمي الكامل بين هويات الشهود وقواعد البيانات التوثيقية.
الضحية التي تثق بنا تضع حياتها بين أيدينا؛ لذلك فإن حماية الشهود والناجين مقدمة على أي اعتبار آخر. تُقرأ الشهادة قانونياً دون أن يُعرف طريق صاحبها، لأن الثقة ليست شعاراً، بل منظومة متكاملة من الحماية التقنية والقانونية.
كيف سيتم توظيف هذه الشهادات والأدلة المجمعة عملياً على الصعيدين الدولي والمحلي لملاحقة المسؤولين وتحقيق العدالة للضحايا؟
لا يهدف المشروع إلى إنشاء أرشيف للمظالم، بل إلى إعداد ملفات قانونية قابلة للاستخدام في مسارات العدالة والمساءلة.
على الصعيد الدولي: ستُحال النتائج إلى آليات الأمم المتحدة، والمقررين الخاصين، والهيئات الحكومية وغير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان، إضافة إلى الجهات القضائية المختصة، بما يساهم في رفع كلفة الإفلات من العقاب.
على الصعيد المحلي: سيُؤسس سجل حقوقي مستقل يمكن تقديمه مستقبلاً أمام أي هيئات قضائية وطنية مستقلة أو لجان تحقيق، ليكون مرجعاً في استعادة الحقوق والملكيات، ومنع تجاوز الانتهاكات تحت أي تسويات سياسية.
الحقوق لا تسقط بالتقادم، والغاية ليست استدرار التعاطف، بل ترسيخ المساءلة وإغلاق باب الإفلات من العقاب.
ما هي أبرز الصعوبات اللوجستية والميدانية التي تواجهكم في جمع الشهادات داخل سوريا وخارجها، وكيف تدعون المؤسسات والجهات الحقوقية للمؤازرة؟
يواجه المشروع تحديات كبيرة، في مقدمتها الواقع الأمني داخل سوريا، وخوف الشهود من الانتقام، إضافة إلى التشظي الجغرافي للمجتمع السوري وصعوبة الوصول إلى الضحايا والناجين. ونعمل في بيئة يخشى فيها الضحية صوته أكثر من خشية الجاني من جريمته، ولذلك فإن التحدي لا يقتصر على جمع الشهادات، بل يشمل حمايتها وتأمينها.
ومن هذا المنطلق، يوجه الكونغرس دعوة مفتوحة للمؤسسات الحقوقية والشبكات المدنية المستقلة للمؤازرة من خلال:
- تبادل الخبرات في توثيق الانتهاكات وإدارة أدلة الجرائم.
- تقديم الدعم التقني لتطوير منظومات حماية البيانات.
- التنسيق لتوفير بيئات آمنة تحمي الشهود وتصون العملية التوثيقية من الترهيب أو التسييس.
لسنا بحاجة إلى بيانات تضامن إنشائية، بل إلى شراكات مهنية تحمي الحقيقة وتضمن سلامة الأدلة.
ما هي الخطوات اللاحقة التي ينتظرها المجتمع المسيحي في سوريا بعد اكتمال هذا السجل الحقوقي لضمان رد الحقوق وجبر الضرر؟
يمثل السجل الحقوقي نقطة الانطلاق لمرحلة جديدة من العمل القانوني والحقوقي، وليس نهاية المشروع.
وتشمل الخطوات اللاحقة:
- إعداد توصيات لسياسات جبر الضرر الفردي والجماعي.
- حصر انتهاكات الملكيات العقارية والاقتصادية تمهيداً للمطالبة باستعادتها عبر الأطر القانونية.
- تقديم مدخلات حقوقية تسهم في ترسيخ مبادئ حياد الدولة والمواطنة المتساوية وتجريم التمييز والتطهير الديمغرافي في أي إطار دستوري مستقبلي.
المصالحة الحقيقية لا تقوم على تجاهل الانتهاكات، بل على العدالة وسيادة القانون. لذلك فإن التوثيق الممنهج لا يهدف إلى الانتقام، وإنما إلى حفظ الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومنع تكرار المأساة، والمساهمة في بناء دولة سورية تقوم على المواطنة المتساوية واحترام التعددية وسيادة القانون.


