طهران ، ايران – تتصاعد وتيرة الحملة العسكرية الأمريكية على إيران باستهداف الجسور والأنفاق والمحاور السككية في محاولة لشل قدرة النظام على نقل الإمدادات العسكرية والمدنية، في نمط بات يعرف بـ”حرب الشرايين“. وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) شن ضربات لليلة سابعة على التوالي تستهدف “تقليص القدرات العسكرية الإيرانية”. وتأتي هذه التحركات ضمن حملة تهدف إلى تكثيف الضغط على طهران لإجبارها على التخلي عن السيطرة على مضيق هرمز. وأنهت القوات الأمريكية الليلة السابعة على التوالي من الضربات في 17 يوليو عند الساعة 9:30 مساء بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.
خريطة الاستهدافات الأمريكية
استهدفت “سنتكوم” مواقع للمراقبة، وبنية تحتية للخدمات اللوجستية العسكرية، ومرافق تحت الأرض لتخزين الأسلحة، وقدرات بحرية، مستخدمة طائرات مقاتلة وطائرات مسيرة وسفنا حربية، إلى جانب أصول عسكرية أخرى. وتؤكد القيادة الأمريكية أنها تواصل “محاسبة إيران” بناء على توجيهات القائد العام. في الوقت نفسه، يفرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية، وينتشر أكثر من 50 ألف عنصر من القوات الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط على أهبة الاستعداد.
لماذا الجسور والأنفاق تحديدا؟
تعتمد إيران، بحكم تضاريسها الجبلية الوعرة، على عدد محدود نسبيا من الجسور والأنفاق لربط مناطقها الساحلية الجنوبية بالعمق الداخلي. هذا ما يجعل تعطيل هذه النقاط أداة فعالة لعزل مناطق بأكملها بأقل جهد عسكري ممكن. فبدلا من ملاحقة كل قافلة إمداد أو منصة صاروخية على حدة، يكفي إخراج عقدة طرقية أو سككية واحدة من الخدمة لإرباك حركة النقل لأيام أو أسابيع. كذلك، يتم فرض مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة. وقد أظهرت الضربات الأخيرة أن هذا المسار مقصود: فقد أفادت إيران بأن الضربات طالت ستة جسور في محافظة هرمزكان المطلة على المضيق الاستراتيجي، إضافة إلى البنية التحتية للطاقة. ويرى محللون أن الأهداف تتراوح بين ضرب خطوط إمداد إيران والحد من نفوذها في مضيق هرمز. هذا يأتي في إطار العمليات العسكرية الأخيرة التي تصاعدت منذ أواخر فبراير 2026 واستهدفت البنية العسكرية والصناعات الصاروخية وشبكات اللوجستيات المرتبطة بالنظام.
حصيلة الضربات الأخيرة
في آخر التطورات، أعلنت سلطات محافظة هرمزكان أن نفق الشهيد ميرزائي أصيب في الاتجاهين. كما لحقت أضرار بجسر رودخانة شور على طريق بندرعباس-سيرجان، وجسرين آخرين على الطريق الرابط بين مفرق ميناب ورودان.
وفي وقت سابق، استهدفت الضربات ثلاثة جسور في مقاطعة خمير بهرمزكان، من بينها جسر خمير الذي يربط بندرعباس بمحافظة فارس. وقد وقعت إصابات أثناء عبور مركبات مدنية للجسور لحظة الاستهداف.
وتشير التقارير إلى أن الضربات التي طالت الجسور ومنشآت الطاقة، إلى جانب انهيار برج في ميناء رئيسي، تأتي ضمن تهديدات سابقة بضرب البنية التحتية للضغط على طهران بشأن مضيق هرمز.
كما شملت حملة سابقة استهداف جسر “بي1” غير المكتمل في كرج، أطول جسر في الشرق الأوسط، والذي يعد ممرا غربيا رئيسيا للخروج من طهران. بالإضافة إلى هذا، استهدفت الحملة جسر يربط تبريز بزنجان شمالي البلاد، وجسر سكة حديد قرب كاشان في وسط إيران.
البعد الاقتصادي: مضيق هرمز وأسواق الطاقة
لا تنفصل حملة استهداف البنية التحتية البرية عن المعركة الأوسع للسيطرة على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط الخام العالمية عبر ممر لا يتجاوز عرضه 33 كيلومترا عند أضيق نقطة ملاحية فيه. وقد أدى تجدد التصعيد في يوليو الجاري إلى قفزة حادة في أسعار النفط تجاوزت 9% في جلسة واحدة. ويعود ذلك إلى مخاوف من أن يؤدي إغلاق كامل للمضيق إلى عجز يومي يتراوح بين 10 و14 مليون برميل، وهو مستوى تصفه وكالة الطاقة الدولية بأنه غير مسبوق في تاريخ أسواق النفط.
ويأتي ذلك بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الولايات المتحدة “وصية على مضيق هرمز”، مع فرض رسم أمني بنسبة 20% على جميع الشحنات العابرة. وتشكل هذه الخطوة أبعادا اقتصادية وجيوسياسية طويلة الأمد تتجاوز الحملة العسكرية المباشرة. وقد سبق لإيران أن ردت على الضربات الأولى للحرب بإعلان إغلاق المضيق واستهداف سفن عابرة بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية وزوارق هجومية صغيرة. هذا ما رفع أقساط التأمين البحري إلى مستويات تعجيزية وأدى إلى شلل فعلي في الملاحة.
التكيف الإيراني والمشهد الإقليمي
في المقابل، لجأت طهران إلى إصلاحات ميدانية سريعة ومسارات بديلة للتخفيف من أثر الضربات، إلى جانب تطوير قدرات تحت أرضية كالأنفاق الصاروخية والملاجئ لحماية جزء من ترسانتها من الاستهداف المباشر. كما فتحت إيران جبهات موازية عبر استهداف بنية تحتية في دول خليجية مجاورة، بينها الكويت وعمان، بدعوى الرد على أي طرف يستخدم أراضيه لشن هجمات ضدها. ونتيجة لذلك، توسعت رقعة المواجهة إلى ما وراء حدودها المباشرة. ويعكس تركيز الحملة الأمريكية على الجسور والأنفاق والمحاور السككية منطقا عسكريا واضحا يقوم على تعظيم الأثر بأقل عدد من الضربات عبر استهداف نقاط الاختناق الجغرافية.


