دمشق، سوريا – تواجه الشراكة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، التي طالما عُدت إحدى ركائز أمن الشرق الأوسط واستقرار أسواق الطاقة العالمية، أخطر توتر تشهده منذ سنوات. وجاء ذلك وفق تقارير متعددة نقلت عن مسؤولين أميركيين وعرب ومسؤولين في أجهزة استخبارات إقليمية.
ورغم أن الرياض لا تزال من أقرب شركاء واشنطن في المنطقة، فإن الخلافات الأخيرة بشأن الصراع مع إيران، واستراتيجية الأمن الإقليمي، والاتجاه المستقبلي للدبلوماسية في الشرق الأوسط، أدت على ما يبدو إلى تآكل الثقة بين الحليفين.
ووفقًا لما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال” و”تايمز أوف إسرائيل”، فقد تدهورت العلاقات بشكل ملحوظ بعد أن قاومت السعودية جهودًا أميركية لتوسيع العمليات العسكرية ضد إيران. ويمثل هذا التطور انعكاسا لاستراتيجية أوسع يتبناها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وتعتمد هذه الاستراتيجية على إعطاء الأولوية للاستقرار الإقليمي بدلًا من التصعيد العسكري.
وتشكل موقف السعودية إلى حد كبير تحت تأثير أجندة التحول الاقتصادي طويلة الأمد في إطار رؤية 2030. فقد أكدت الرياض باستمرار أن اندلاع صراع إقليمي كبير آخر من شأنه أن يهدد أسواق الطاقة العالمية. بالإضافة إلى ذلك، قد يثني ذلك الاستثمارات الأجنبية، وكذلك يلحق أضرارًا بالبنية التحتية في الخليج، ويقوض سنوات من الإصلاحات الاقتصادية الهادفة إلى تنويع اقتصاد المملكة.
كما حافظت المملكة على موقف ثابت إزاء أولوية أميركية رئيسية أخرى، وهي التطبيع مع إسرائيل. فعلى الرغم من أن إدارة الرئيس دونالد ترامب شجعت السعودية، بحسب تقارير، على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، فقد أكدت الرياض مرارًا أنها لن تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل من دون تحقيق تقدم ملموس نحو حل الدولتين. وذلك بما يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
غير أن الخلاف الأبرز ظهر بشأن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
فوفقًا لمسؤولين نقلت عنهم صحيفة “وول ستريت جورنال”، حذرت السعودية واشنطن من توسيع العمليات العسكرية. واعتبرت أن صراعًا أوسع قد يؤدي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط، وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، وإحداث تقلبات حادة في أسواق النفط العالمية. أيضا، قد يؤدي ذلك إلى تعريض منشآت الطاقة الخليجية لردود انتقامية إيرانية.
وبلغت هذه المخاوف ذروتها، بحسب التقارير، خلال مبادرة عسكرية أميركية عُرفت باسم “مشروع ليبرتي”. وكانت هذه عملية صُممت لتأمين الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز وسط تصاعد الهجمات على حركة الملاحة البحرية.
وتطلبت العملية الوصول إلى المجال الجوي السعودي والمنشآت العسكرية السعودية، إلا أن الرياض رفضت في البداية، بحسب مسؤولين أميركيين وعرب مطلعين على المناقشات، السماح باستخدام أراضيها. وأجبر ذلك القرار واشنطن، بحسب التقارير، على تعليق العملية بعد وقت قصير من بدئها.
ورغم أن الرئيس دونالد ترامب عزا لاحقًا، علنًا، تعليق العملية إلى إحراز تقدم دبلوماسي مع طهران، فإن مسؤولين نقلت عنهم صحيفة “وول ستريت جورنال” قالوا إن المعارضة السعودية أدت دورًا حاسمًا في وقف المهمة خلال مرحلتها الأولى.
ويُقال إن البيت الأبيض استقبل هذا الموقف بإحباط.
ووفقًا لمسؤولين أميركيين وعرب، حذرت إدارة ترامب السعودية من احتمال تأخير تسليم أنظمة دفاعية حيوية، بما في ذلك صواريخ اعتراضية وقدرات دفاعية مضادة للطائرات المسيّرة تُستخدم للتصدي للهجمات الإيرانية، ما لم تتراجع الرياض عن موقفها.
وفي مواجهة مخاوف أمنية متزايدة، وافقت السعودية في نهاية المطاف على استئناف التعاون العسكري. ونتيجة لذلك، سمح هذا باستمرار العملية بصورة غير معلنة. ومع ذلك، خلص مسؤولون أميركيون، بحسب التقارير، إلى أن الخلاف ألحق ضررًا طويل الأمد بالثقة المتبادلة.
وتبع الخلاف العسكري سلسلة من التطورات الدبلوماسية التي عززت الانطباع بتدهور العلاقات.
فقد شملت الجولة الخليجية الأخيرة لوزير الخارجية ماركو روبيو زيارات إلى الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين. لكنها استثنت السعودية. ووفقًا لمصادر مطلعة على التفكير السعودي، رأت أوساط في الرياض أن هذا الاستثناء يمثل تجاهلًا دبلوماسيًا متعمدًا. في المقابل، نفى مسؤولون أميركيون هذا التفسير. كذلك، أشاروا إلى أن روبيو أجرى مباحثات مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال اجتماع لمجلس التعاون الخليجي.
وبحسب التقارير، رفض ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أيضًا دعوة لحضور قمة مجموعة السبع التي شارك فيها الرئيس ترامب، في خطوة عكست استياء سعوديًا من طريقة تعامل واشنطن مع الأزمة الإقليمية. غير أن وسائل إعلام سعودية عزت غياب ولي العهد إلى ارتباطات داخلية مسبقة.
ويؤكد المسؤولون السعوديون باستمرار أن التصعيد العسكري ضد إيران يهدد بجر الخليج إلى صراع أوسع. وقد تعززت هذه المخاوف بعد أن استهدفت هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة إيرانية بنى تحتية استراتيجية في أنحاء المنطقة عقب اتساع نطاق الأعمال القتالية.
ووفقًا للتقارير، سمحت السعودية في نهاية المطاف بتعاون عملياتي محدود مع القوات الأميركية. لكنها وجدت نفسها لاحقًا عرضة لردود انتقامية إيرانية ضد منشآت داخل المملكة.
المفاوضات مع طهران
وخلال الصراع، واصلت الرياض، بحسب التقارير، الدعوة إلى حل دبلوماسي. من ناحية أخرى، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن مسؤولين سعوديين شجعوا واشنطن على السعي إلى مفاوضات مع طهران، وأعربوا عن قلقهم إزاء استمرار العمليات العسكرية التي قد تزيد من زعزعة استقرار المنطقة. كما حذروا من أن الضربات الإضافية قد تستفز مزيدًا من الهجمات على منشآت الطاقة في الخليج.
وتشير التقارير أيضًا إلى مناقشات جارية تهدف إلى إنشاء إطار مؤقت يشمل وقفًا لإطلاق النار لمدة 60 يومًا. كما تهدف هذه المناقشات إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وإطلاق مفاوضات نحو اتفاق أوسع يتناول البرنامج النووي الإيراني. ووفقًا للتقارير، أبلغ الرئيس ترامب مستشاريه أن أي جدول زمني لهذه المفاوضات سيظل مرنًا.
ولم تكن إسرائيل، بحسب التقارير، طرفًا في هذه المفاوضات. ووفقًا للتقارير نفسها، عارض مسؤولون إسرائيليون الإطار المقترح، معتبرين أنه لن يحقق أهدافًا استراتيجية رئيسية. ويشمل ذلك تفكيك القدرات النووية والصاروخية الإيرانية.
ويتعلق أحد أبرز التطورات بموقف واشنطن العسكري في السعودية.
فوفقًا لمسؤولين أميركيين مطلعين على التخطيط الداخلي، يدرس البنتاغون خيارات لتقليص الوجود العسكري الأميركي في المملكة. بالإضافة إلى ذلك، ربما يتم تحويل الموارد نحو شركاء إقليميين ترى واشنطن أنهم قدموا دعمًا عملياتيًا أقوى خلال الصراع. غير أن المسؤولين شددوا على أن المناقشات لا تزال أولية، وأنه لم تُتخذ أي قرارات نهائية بعد.
وعلى الرغم من التوترات الأخيرة، لا تزال العلاقة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن كبيرة ومؤثرة. فالسعودية ما زالت واحدة من أكبر المشترين في العالم للمعدات الدفاعية الأميركية. كما تعد مستثمرًا رئيسيًا في الصناعات الأميركية. كذلك، هي شريك متزايد الأهمية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والمعادن الحيوية، والتعاون النووي المدني، وأمن الطاقة العالمي.
ومع ذلك، تكشف الخلافات المبلغ عنها عن تطور في السياسة الخارجية السعودية. وصارت السياسة السعودية تركز بصورة متزايدة على الدبلوماسية والتنمية الاقتصادية وخفض التصعيد الإقليمي، بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة.
ويبقى من غير المؤكد ما إذا كانت التوترات الحالية تمثل خلافًا مؤقتًا أم بداية لإعادة ضبط استراتيجية أوسع. غير أن ما يبدو واضحًا بصورة متزايدة هو أن أولويات الرياض الإقليمية تطورت بالتوازي مع طموحاتها الاقتصادية. فعليا، بات الاستقرار يُنظر إليه باعتباره شرطًا أساسيًا لتحقيق رؤية 2030. إضافة إلى ذلك، أصبح هذا ضروريا لتأمين الأهداف الجيوسياسية والاقتصادية طويلة الأمد للمملكة.


