باريس ، فرنسا – في ظل التوترات المتصاعدة بشأن مستقبل الأمن القاري، طالبت فرنسا الإدارة الأمريكية بتوفير إطار عمل منسق لتنظيم عملية تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا. تأتي الدعوة الفرنسية بعد سلسلة من الإعلانات الأمريكية المفاجئة. هذه الإعلانات أثارت قلقاً واسعاً بين الحلفاء الأوروبيين بشأن وتيرة سحب القوات والأصول الدفاعية.
دعوة للتنسيق وتجنب الأزمات
أكدت نائبة وزير الدفاع الفرنسي، أليس روفو، خلال زيارة إلى بروكسل ولقائها الأمين العام للناتو مارك روته، ضرورة أن تتم عملية التقليص وفق نهج “منظم وفعال” لتجنب خلق معضلات استراتيجية للأوروبيين. كما أشارت روفو إلى أن التقلبات في العلاقات عبر الأطلسي تتطلب مقاربة واقعية تتجنب “التهويل أو الإنكار”. يأتي هذا خاصة مع التوقعات بعودة مستويات القوات الأمريكية إلى ما كانت عليه قبل عام 2022.
وأوضحت روفو أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تعويض القدرات الحيوية التي توفرها واشنطن، مثل الاستخبارات، والنقل الجوي والبحري، والعمليات الفضائية. وشددت على أن الهدف ليس نسخ النموذج العسكري الأمريكي. كما أكدت: “ليس من المنطقي استبدال القدرات الأمريكية بأخرى مماثلة، فالأوروبيون لا يخوضون الحروب بالطريقة نفسها التي يخوضها الأميركيون”.
ضغوط سياسية وتحديات “نقل الأعباء”
تأتي هذه المطالب في وقت تُجري فيه وزارة الدفاع الأمريكية مراجعة شاملة لانتشارها في أوروبا، وسط تقارير عن عزم الإدارة الأمريكية ربط الوجود العسكري بدعم الدول الأوروبية لسياسات واشنطن، لا سيما في الملف الإيراني. وقد أدت هذه السياسة إلى توترات مع عواصم أوروبية رئيسية. تضغط دول مثل ألمانيا للحصول على ضمانات وخارطة طريق واضحة. ومن المقرر أن يكون موضوع “نقل الأعباء” – أي زيادة الدور الأوروبي في الدفاع عن القارة – العنوان الأبرز لقمة قادة الناتو في أنقرة الشهر المقبل.
وتسعى باريس، التي تتبنى استراتيجية دفاعية مستقلة، إلى حشد الحلفاء لتعويض التراجع الأمريكي من خلال نماذج مرنة. ومن الأمثلة على ذلك، القوات البرية المتقدمة التي تقودها فرنسا في رومانيا، أو نموذج الانتشار الفنلندي في السويد. كما يعتمد النموذج الفنلندي على التدريبات المكثفة بدلاً من التواجد الدائم.
في المقابل، يواصل المسؤولون الفرنسيون التأكيد على ضرورة تجنب الانقسام الأوروبي الداخلي وتبادل الاتهامات، معتبرين أن “النتائج العسكرية الفعلية” هي المقياس الحقيقي للقوة والردع. بينما التزم حلفاء الناتو بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، تظل فجوة القدرات التشغيلية التي قد يتركها الانسحاب الأمريكي التحدي الأكثر إلحاحاً أمام مستقبل الأمن الأوروبي.


