دبي، الإمارات العربية المتحدة – ذكرت “وول ستريت جورنال” أن الإمارات ردّت عسكريًا على الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآتها وبنيتها التحتية. ونفذت عشرات الضربات ضد أهداف إيرانية، في خطوة عكست انتقال أبوظبي من سياسة امتصاص التصعيد إلى فرض كلفة مباشرة على طهران.
وأفادت الصحيفة الأميركية بأن الرد الإماراتي جاء في سياق مواجهة كشفت تباينًا خليجيًا واضحًا في التعامل مع إيران. إذ اختارت الإمارات منطق الردع العسكري، بينما تحركت السعودية باتجاه كبح التصعيد والضغط لمنع اتساع الرد. رغم ذلك، عانت الرياض خلال السنوات الماضية من ضربات موجعة استهدفت منشآتها النفطية والاقتصادية عبر إيران ووكلائها.
وبحسب ما أوردته “وول ستريت جورنال”، فإن الإمارات تعاملت مع الهجمات الإيرانية باعتبارها اعتداءً لا يمكن تركه بلا ثمن. فاختارت الرد العسكري لإعادة الكلفة إلى طهران، بدل الاكتفاء بالإدانات السياسية أو انتظار مسارات التهدئة. تلك المسارات لم تمنع إيران من اختبار أمن الخليج بالصواريخ والمسيّرات.
الإمارات ترد بمنطق الردع لا الاحتواء
أظهر الموقف الإماراتي أن أبوظبي لم تتعامل مع الهجمات الإيرانية كحادث عابر أو أزمة قابلة للاحتواء بالبيانات الدبلوماسية. بل اعتبرت ذلك اعتداءً مباشرًا على أمن الدولة واقتصادها وبنيتها التحتية، ويستوجب ردًا يعيد التوازن إلى معادلة الردع.
فالرسالة الإماراتية، كما يكشف التقرير الأميركي، بدت واضحة: من يستهدف منشآت الدولة لا يحصل على مكافأة التهدئة. علاوة على ذلك، من يضرب الاقتصاد والبنية الحيوية يجب أن يدفع الثمن من مصدر التهديد نفسه.
ولم يكن الرد الإماراتي، وفق قراءة مراقبين، بحثًا عن حرب مفتوحة. بل كان محاولة لكسر معادلة خطيرة تقوم على أن إيران تستطيع ضرب دول الخليج أو تهديدها ثم الاحتماء خلف دعوات التهدئة والوساطات.
السعودية تضغط لمنع الرد رغم تعرضها السابق لضربات موجعة
في المقابل، كشف التقرير أن السعودية ذهبت في اتجاه مختلف. إذ ضغطت باتجاه كبح الرد ومنع اتساع المواجهة مع إيران، في موقف يطرح أسئلة قاسية حول قدرة الرياض على مواجهة التهديد الإيراني بدل محاولة تجنبه.
فالرياض لم تكن بعيدة عن الخطر، ولم تكن خارج دائرة الاستهداف. فقد تعرضت منشآتها الحيوية خلال السنوات الماضية لهجمات صاروخية ومسيّرة موجعة. استهدفت هذه الهجمات عمقها الاقتصادي والنفطي، وكشفت أن إيران ووكلاءها قادرون على تهديد المملكة متى ما أرادوا رفع مستوى الضغط.
ومع ذلك، اختارت السعودية في هذه الأزمة كبح التصعيد لا دعم الردع الخليجي. وبدت أكثر انشغالًا بمنع ارتداد المواجهة إلى أراضيها من الانخراط في موقف واضح يحمّل طهران كلفة الاعتداء على دولة خليجية.
خوف من إيران والحوثيين لا سياسة سلام
لا يبدو الموقف السعودي، وفق مراقبين، تعبيرًا عن “حمائمية” سياسية أو رغبة مجردة في السلام. إنما يعكس خوفًا من كلفة المواجهة مع إيران ووكلائها، وفي مقدمتهم الحوثيون.
فالذاكرة السعودية لا تزال مثقلة بهجمات المسيّرات والصواريخ التي استهدفت منشآت النفط والمطارات والمدن الحيوية. هذه الهجمات أظهرت أن الرياض تجد صعوبة في حماية عمقها من دون منظومة ردع إقليمية أوسع. كانت الإمارات أحد أعمدتها خلال سنوات المواجهة مع الحوثيين.
وبعد التفاهمات التي أعادت العلاقات بين السعودية وإيران، بدا أن الرياض تراهن على أن تضبط طهران الحوثيين وتمنعهم من العودة إلى استهداف المملكة. بناء على ذلك، أصبح هدوء الجبهة الجنوبية السعودية مرتبطًا جزئيًا بحسابات إيران لا بقدرة سعودية مستقلة على فرض الردع.
ومن هنا، فإن الضغط السعودي لمنع الرد الإماراتي لا يظهر كدبلوماسية متوازنة. بل يبدو كحساب خوف من أن يؤدي أي رد قوي على إيران إلى عودة النار الحوثية والإيرانية نحو المنشآت السعودية.
الموقف الرمادي في لحظة العدوان
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، دلالة إضافية. إذ حذّر من خطورة “المواقف الرمادية” خلال العدوان الإيراني، معتبرًا أن الخلط بين دور الضحية ودور الوسيط أصبح أمرًا محيّرًا. وهو يرى أن الصديق لا ينبغي أن يتحول إلى وسيط بدلًا من أن يكون سندًا وعضيدًا في لحظة الخطر.
وتبدو هذه التصريحات، في ضوء ما نشرته “وول ستريت جورنال“، أقرب إلى توصيف مباشر لحالة الانقسام الخليجي: طرف يتعرض للهجوم ويرد لفرض الكلفة. في المقابل، طرف آخر يخشى الرد أكثر مما يخشى استمرار معادلة الابتزاز الإيراني.
فالموقف الرمادي لا يعني فقط الصمت، بل يعني أيضًا محاولة منع الضحية من الرد. إضافة إلى ذلك، هو الاختباء خلف لغة التهدئة بينما يتعرض أمن الخليج للتهديد بالصواريخ والمسيّرات.
تباين خليجي بين الردع والخوف من المواجهة
يكشف التقرير الأميركي أن الخليج لم يعد يقف على أرضية أمنية واحدة في مواجهة إيران. فالإمارات ظهرت كدولة ترى أن الردع يبدأ من فرض الثمن. كذلك، ترى أن الدبلوماسية بلا قوة تتحول إلى غطاء للعجز. أما السعودية فبدت كدولة تخشى فتح مواجهة جديدة، حتى لو كان ثمن ذلك إضعاف الردع الخليجي وترك إيران تختبر حدود القوة في المنطقة.
والفارق بين الموقفين جوهري. الإمارات قرأت الهجمات الإيرانية كاختبار يجب الرد عليه، بينما قرأت السعودية التصعيد كخطر يجب الهروب من ارتداداته. الأولى تصرفت بمنطق منع تكرار الضربة، والثانية بمنطق تفادي أن تصبح الهدف التالي.
وهذا ما يجعل الموقف السعودي أكثر إرباكًا؛ فهو لا يحمي الخليج بردع جماعي، ولا يمنح إيران سببًا للتوقف عن سياسة الضغط. علاوة على ذلك، يرسل رسالة مفادها أن كلفة التصعيد على طهران قد تكون أقل من كلفة الرد عليها.
الأمن الخليجي أمام سؤال الكلفة
ما نشرته “وول ستريت جورنال” لا يكشف فقط عن رد عسكري إماراتي ضد إيران. بل يفتح سؤالًا أوسع حول مستقبل الأمن الخليجي: هل يمكن بناء منظومة ردع حقيقية إذا كانت بعض العواصم الخليجية تضغط لمنع الرد على الهجمات بدل رفع كلفة المعتدي؟
فالتهدئة قد تمنح هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع أمنًا دائمًا إذا فهمتها إيران على أنها خوف من المواجهة. والصمت قد يؤجل الضربة المقبلة، لكنه لا يمنعها إذا بقي المعتدي مقتنعًا بأن الخليج سيفضّل دائمًا تجنب الرد على تحمل كلفته.
وبين رد إماراتي مباشر وضغط سعودي لكبح المواجهة، يظهر الخليج أمام معادلة صعبة: إما أن تتحول الهجمات الإيرانية إلى خط أحمر تدفع طهران ثمن تجاوزه، أو يبقى أمن المنطقة رهينة لحسابات الخوف والتفاهمات الهشة مع إيران ووكلائها. وفي لحظة تتحدث فيها الصواريخ والمسيّرات بصوت أعلى من البيانات، تبدو الرسالة الإماراتية واضحة: الدبلوماسية مطلوبة، لكنها لا تكفي إذا لم تستند إلى ردع. أما كبح الرد بعد كل ضربة، فقد يمنح هدوءًا مؤقتًا، لكنه يفتح الباب أمام ابتزاز أكبر في الجولة التالية.


