دبي، الإمارات العربية المتحدة – لم تعد معادلة الأمن الخليجي تُقرأ من زاوية الخطر الإيراني المباشر وحده. فخلال السنوات الأخيرة، تحوّل العراق من دولة كان يُنظر إليها تاريخياً كحاجز جغرافي بين إيران والخليج، إلى ساحة رخوة تتحرك داخلها فصائل مسلحة وشبكات تهريب وقوى سياسية واقتصادية متداخلة. بعض هذه القوى يرتبط بطهران، وبعضها يعمل بمنطق مصالحه الخاصة.
المفارقة أن الخطر لا يصدر بالضرورة عن الدولة العراقية الرسمية. بغداد ما زالت تؤكد رفضها للاعتداءات العابرة للحدود. لكن المشكلة تكمن في أن جزءاً من القوة المسلحة داخل العراق لم يعد من السهل ضبطه سياسياً أو عسكرياً. قانون الحشد الشعبي لعام 2016 جعل هذه القوات جزءاً من القوات المسلحة العراقية وتابعة للقائد العام، مع حظر النشاط السياسي على أفرادها. لكن الواقع الميداني بقي أكثر تعقيداً من النص القانوني.
التحول الأخطر ظهر في ملف الطائرات المسيّرة. في مايو 2026، قالت وزارة الدفاع الإماراتية إن الطائرات التي استهدفت محطة براكة للطاقة النووية في 17 مايو “انطلقت من الأراضي العراقية” وفق نتائج التتبع الفني. وأضافت الوزارة إن الدفاعات الجوية تعاملت كذلك مع ست طائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق مدنية وحيوية خلال 48 ساعة.
هذا الاتهام نقل القلق الخليجي من سؤال: “ماذا ستفعل إيران؟” إلى سؤال أكثر تعقيداً: “من يستطيع استخدام العراق كمنصة إطلاق؟”. السعودية أعلنت أيضاً اعتراض ثلاث طائرات مسيّرة. وقالت إنها دخلت من العراق، مؤكدة احتفاظها بحق الرد واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السيادة والأمن.
أمن الخليج أمام عراقٍ متعدد السلاح والقرار
جوهر الخطر أن العراق لم يعد ساحة داخلية مغلقة. الفصائل التي قاتلت تنظيم داعش اكتسبت خبرة قتالية، وشبكات تسليح، ونفوذاً سياسياً واقتصادياً. بعض هذه الفصائل باتت تُستخدم، أو تُتهم بأنها تُستخدم، ضمن استراتيجية “الإنكار المعقول”. هذا يعني شن هجوم ينطلق من العراق، لكن المسؤولية تضيع بين جماعات واجهة، وصمت رسمي، ونفي إيراني.
وزارة الخزانة الأميركية قالت في أكتوبر 2025 إن النظام الإيراني يعتمد على وكلاء عراقيين مسلحين، بينهم كتائب حزب الله، لاختراق قوات الأمن والاقتصاد في العراق. كذلك اتهمت هذه الجماعات بالفساد وتهريب السلاح وتقويض الاقتصاد العراقي. كما أشارت إلى استخدام الأراضي العراقية في تهريب النفط الإيراني على أنه عراقي.
ولا تقف الصورة عند الهجمات على الخليج. “المقاومة الإسلامية في العراق” ظهرت منذ أكتوبر 2023 كواجهة تعلن هجمات ضد أهداف أميركية وإسرائيلية. معهد واشنطن، الذي يتتبع هذه الهجمات، يصفها بأنها ليست تنظيماً واحداً. بل هي آلية إعلان تستخدمها فصائل مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق والنجباء وكتائب سيد الشهداء.
الولايات المتحدة صنّفت أو عاقبت عدداً من هذه الفصائل والقيادات. ففي السجل الفيدرالي الأميركي عام 2025، صُنفت حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وحركة أنصار الله الأوفياء وكتائب الإمام علي كمنظمات إرهابية أجنبية.
هناك أيضاً خطر غير عسكري لكنه لا يقل تأثيراً: المخدرات والتهريب. تقرير نشره OCCRP استناداً إلى بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أشار إلى أن العراق أصبح ممراً رئيسياً متنامياً للاتجار بالمخدرات. تم ضبط 24 مليون حبة كبتاغون في 2023، وأن الكميات المضبوطة تضاعفت بشكل حاد مقارنة بسنوات سابقة.
العراق كبيئة خطر مركبة: تهديد بلا عنوان رسمي يربك أمن الخليج
بالنسبة لدول الخليج، هذا يعني أن الخطر العراقي لم يعد صاروخاً أو طائرة مسيّرة فقط، بل منظومة تهديد مركبة: حدود رخوة، فصائل مسلحة، اقتصاد ظل، تهريب مخدرات، ومسارات تمويل غير شفافة. الأخطر أن هذه التهديدات تعمل أحياناً خارج منطق الدولة، فتضع بغداد في موقف دفاعي. كما تضع الخليج أمام خصم لا يملك عنواناً رسمياً واحداً. الخلاصة أن العراق لم يتحول إلى “عدو” للخليج، بل إلى بيئة خطر. الفرق كبير لكنه حاسم. فالدولة العراقية قد لا تريد التصعيد، لكن ضعف احتكارها للسلاح، وتداخل الفصائل مع السياسة والاقتصاد، وتحوّل أراضيها إلى منصة محتملة للهجمات جعلت الأمن الخليجي يرى في العراق جبهة تهديد موازية للخطر الإيراني، لا مجرد ساحة تابعة له.


