خاص، صوت الإمارات – قدم الباحث والمحلل السياسي طارق أبوزينب قراءة تحليلية معمقة، خاصة لموقع “صوت الإمارات”، حول التطورات الأمنية الأخيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة. كما شدد على أن نجاح الأجهزة الأمنية في تفكيك شبكتين مرتبطتين بأنشطة تخريبية خارجية ليس مجرد إنجاز شرطي عابر، بل هو “ضربة استباقية لقلب استراتيجية التغلغل الصامت”.
الإمارات في مواجهة “التهديدات الهجينة”
أكد أبوزينب أن ما شهدته الإمارات مؤخراً من تفكيك خلايا مرتبطة بإيران يعكس تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع الإقليمي. كما لم تعد المواجهة تقتصر على الحدود الجغرافية، بل انتقلت إلى ما يُعرف بـ”الأمن غير التقليدي”. حيث تسعي طهران عبر أدواتها إلى اختراق المجتمعات الخليجية من الداخل.
فنحن هنا لا نتحدث عن صدام مباشر، بل عن محاولات لهدم البنى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية عبر واجهات تبدو في ظاهرها اعتيادية. ومع ذلك، في باطنها أدوات لتنفيذ أجندات توسعية.
المسارات الثلاثة للاختراق
وفقاً لتحليل أبوزينب، فإن هذا المشروع التخريبي لا يتحرك بشكل عشوائي، بل يعتمد على استراتيجية “النفس الطويل” التي تنفذ عبر ثلاثة مسارات متوازية:
أولاً: المسار الثقافي والديني؛ ويقوم على توظيف الخطاب المذهبي الممنهج ونشر المنظومات الفكرية المرتبطة بـ “ولاية الفقيه”. ويتم ذلك بهدف خلق ولاءات خارجية عابرة للحدود تساهم في إضعاف نسيج الهوية الوطنية.
ثانياً: المسار الاقتصادي؛ الذي يعتمد على تأسيس شركات واجهة واستثمارات وهمية تُستخدم كستار أمني لتنفيذ عمليات مشبوهة. كما أن ذلك يسمح باختراق البنية الاقتصادية وتهديد الاستقرار المالي للدولة.
ثالثاً: مسار “الأمن النائم”؛ ويتمثل في بناء وتغذية شبكات محلية سرية تظل كامنة في الظل. كذلك تكون هذه الشبكات جاهزة للتفعيل الفوري وتلقي الأوامر لتنفيذ أعمال تخريبية عند الحاجة أو في لحظات التأزم السياسي.
السيناريو الذي أجهضته الإمارات
أشار أبوزينب في حديثه لـ”صوت الإمارات” إلى أن هذا النموذج ليس نظرياً، بل هو “واقع مؤلم” نراه في دول عربية أخرى. فحزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن هما النتاج النهائي لترك بذور “التسلل الناعم” تنمو حتى تلتهم مؤسسات الدولة.
وأوضح أن الإمارات، بوعيها الأمني المبكر، أدركت أن ترك هذه الخلايا تتجذر سيؤدي حتماً إلى سيناريوهات مشابهة لما حدث في العراق ولبنان. وأضاف أن هناك قد تصبح الميليشيات أقوى من الدولة.
العمليات الأمنية في آذار ونيسان
سلط المحلل السياسي الضوء على كفاءة “العين الساهرة” الإماراتية، مشيراً إلى عمليتين نوعيتين غيرتا موازين القوى:
1- تفكيك تنظيم الـ 27: وهو تنظيم سري تورط عناصره في نشر الفكر المتطرف واستهداف الوحدة الوطنية.
وكشفت التحقيقات أنهم جندوا مؤثرين إعلاميين ورجال دين وأصحاب أعمال لاستقطاب الشباب وتوجيه ولائهم للخارج.
2- ضرب الواجهات التجارية: إحباط مخطط استخدم شركات وهمية لاختراق الاقتصاد الوطني. كما كانت هذه الشركات تعمل كـ”رئة مالية” لتمويل أنشطة غير مشروعة بعيداً عن الرقابة الرسمية.
الأمن الوقائي حائط الصد الأول
ختم أبوزينب تصريحه بالتأكيد على أن التهديد لم يعد فردياً، بل أصبح “منظومة عابرة للحدود”.
وأثنى على قدرة الأجهزة الاستخباراتية الإماراتية على قراءة ما يدور في الظل، مؤكداً أن المواجهة الحالية تتطلب “يقظة فكرية” توازي اليقظة الأمنية.
إن ما كشفته التحقيقات من جمع أموال بطرق غير رسمية وتجنيد شخصيات عامة يثبت أن المعركة هي معركة “وعي وهويات”. وأكد أن الحصانة المجتمعية هي الضمانة الوحيدة لاستمرار الاستقرار في ظل إقليم مضطرب.
ومن هنا، تبرز الإمارات كنموذج في إدارة الأمن الوقائي. ويعد هذا نموذجاً لا ينتظر وقوع الكارثة، بل يفكك بذورها قبل أن تنبت.


