القاهرة، مصر – دخل القائد الفرنسي نابليون بونابرت مدينة القاهرة عام 1798، بعد انتصاره على المماليك في معركة الأهرام. كانت هذه محطة مفصلية من الحملة الفرنسية على مصر، التي استمرت نحو ثلاث سنوات. وقد تركت الحملة آثارًا سياسية وعسكرية وثقافية امتدت لعقود.
ومنذ اللحظات الأولى لوصوله، أدرك نابليون أن السيطرة العسكرية وحدها لن تكفي لإحكام قبضته على البلاد. لذا سعى إلى كسب ود المصريين عبر سلسلة من البيانات والمنشورات التي أكد فيها احترامه للإسلام وعاداته. كانت هذه محاولة لطمأنة السكان وتقليل فرص اندلاع المقاومة.
نابليون للمصريين: لا نستهدف هويتكم الدينية
وجاء في أحد أشهر بياناته أنه يكن احترامًا كبيرًا للدين الإسلامي، وأن الفرنسيين ليسوا أعداءً للمسلمين. بل قال إنهم جاءوا – بحسب ادعائه – للقضاء على ظلم المماليك وإقامة العدل بين الناس. كما حرص على مخاطبة المصريين بعبارات دينية مستخدمًا ألفاظًا مألوفة لديهم، لإضفاء المصداقية على رسائله.
ولتعزيز هذه الصورة، أنشأ نابليون ديوان القاهرة الذي ضم عددًا من العلماء والأعيان. وأظهر اهتمامًا بالمؤسسات الدينية، كما شارك في بعض المناسبات العامة، في محاولة لإقناع المصريين بأن الحملة لا تستهدف عقيدتهم أو هويتهم الدينية.
إلا أن هذه السياسة لم تنجح في تحقيق أهدافها بالكامل، إذ سرعان ما أدرك المصريون أن الاحتلال الفرنسي يسعى إلى فرض سيطرته على البلاد. لذلك اندلعت ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر 1798، ثم أعقبتها ثورة ثانية، واجهتهما القوات الفرنسية بعنف شديد.
الجمع بين القوة العسكرية والتأثير السياسي والديني
ولم تقتصر الحملة الفرنسية على الجانب العسكري، بل اصطحب نابليون معه عشرات العلماء والمهندسين والباحثين الذين قاموا بدراسة مصر وتوثيق آثارها وتاريخها. وأسفر ذلك لاحقًا عن إصدار موسوعة “وصف مصر” التي تعد من أهم المراجع التاريخية عن البلاد.
ورغم قصر مدة الاحتلال، فإن دخول نابليون القاهرة ظل واحدًا من أبرز الأحداث في التاريخ المصري الحديث. ويرجع ذلك لأنه جمع بين القوة العسكرية ومحاولات التأثير السياسي والديني. من ناحية أخرى، يرى مؤرخون أن بيانات احترام الإسلام كانت جزءًا من استراتيجية لكسب التأييد الشعبي أكثر من كونها تعبيرًا عن قناعة حقيقية. وقد أثبتت تطورات الأحداث والمقاومة التي واجهتها الحملة هذا الأمر، حتى انتهت بخروج القوات الفرنسية من مصر عام 1801.


