القدس، فلسطين – في إنجاز أثري لافت، كشف فريق من علماء الآثار عن قطعة فريدة تعود إلى العصر البيزنطي قبل نحو 1600 عام. وهي عبارة عن مصباح زيتي صُمم بدقة متناهية على هيئة قدم بشرية. هذا الاكتشاف لا يمثل مجرد أداة إنارة قديمة، بل يعد وثيقة بصرية تكشف الكثير عن الرموز الفنية والدينية التي كانت سائدة في بدايات انتشار المسيحية. كما تفتح نافذة على الطقوس والمفاهيم الروحية لتلك الحقبة التاريخية.
دلالات رمزية في تصميم غير مألوف
يجمع المصباح بين الغرض العملي اليومي وبين عمق الدلالة الرمزية. حيث يشير الباحثون إلى أن اتخاذ المصباح لشكل “القدم” ليس محض صدفة فنية. في الثقافة المسيحية القديمة، غالباً ما ارتبطت صورة القدم بمسيرة الحج و”السير في طريق الإيمان”. كما يُرجح أنها تجسيد لمفاهيم الخدمة والتواضع التي نصت عليها التعاليم المسيحية المبكرة. يمثل هذا التداخل بين الأداة والرمز تعبيراً بليغاً عن كيفية صياغة الفكر الديني داخل تفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات البيزنطية.
براعة الحرفيين وصمود التاريخ
صُنع المصباح من الفخار بمهارة حرفية عالية. ورغم مرور أكثر من 16 قرناً على وجوده تحت الأرض، إلا أنه احتفظ بتفاصيله الزخرفية وحالته الجيدة بشكل مدهش. لقد مكنت هذه الحالة الباحثين من إجراء مقارنات دقيقة مع قطع أثرية مشابهة عُثر عليها في مواقع إقليمية أخرى. وهكذا يساعد ذلك في رسم صورة أوضح لشبكة التبادل الثقافي والفني التي كانت تربط مدن المنطقة آنذاك.
إثراء معرفي للحياة البيزنطية
يؤكد علماء الآثار أن هذا الاكتشاف يعد إضافة نوعية لفهمنا للحياة الدينية والاجتماعية في العصر البيزنطي. فهو يبرز كيف كانت الأدوات البسيطة المستخدمة في المنازل وسيلة فعالة للتعبير عن الهوية والمعتقد. كما يعكس مدى التطور الذي وصلت إليه الحرف اليدوية والفنون التشكيلية في ذلك الوقت. يظل هذا المصباح شاهداً صامتاً على مرحلة مفصلية في تاريخ المنطقة. حيث تتقاطع الفنون مع الإيمان لتشكل إرثاً إنسانياً يستحق الدراسة والتقدير.


