باريس – فرنسا — في واحدة من أكثر محاولات التاريخ السياسي إثارة للجدل والتحليل، لجأ الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت في أيامه الأخيرة في سدة السلطة إلى طرح وثيقة تشريعية استثنائية عُرفت بـ«الدستور الجديد للحريات». وتأتي هذه المحاولة الدراماتيكية في سياق مساعيه لإعادة ترميم شرعيته السياسية المتآكلة. كذلك أراد تهدئة حالة الغضب والاحتقان المتصاعد داخل الشارع الفرنسي. كل ذلك حدث بعد سنوات طويلة من الحروب الطاحنة، الإرهاق الاقتصادي الحاد، والاضطراب الهيكلي الداخلي.
حقبة «المئة يوم» والتحول الليبرالي الاضطراري
وجاءت هذه الخطوة الإصلاحية المفاجئة في عام 1815، متزامنة مع عودة نابليون المثيرة من منفاه الأول في جزيرة “إلبا”. كما أن هذه الحقبة التاريخية صُنفت في القواميس السياسية بـفترة «المئة يوم». حينها وجد الإمبراطور العائد نفسه أمام واقع جيوسياسي مغاير تماماً، ومعارضة أوروبية شرسة تتكتل ضده. بالإضافة إلى ذلك، اتسعت رقعة الشكوك الداخلية والتململ داخل الطبقة السياسية والنخب العسكرية الفرنسية على حد سواء.
وتضمن الدستور الجديد، الذي سعى بونابرت من خلاله جاهداً إلى تقديم صورة أكثر ليبرالية وانفتاحاً لنظام حكمه السلطوي، وعوداً دستورية موسعة بتوسيع آفاق الحريات العامة. كذلك شمل إعادة تنظيم وضبط العلاقة الهيكلية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. ومنح البرلمان دوراً رقابياً وتأثيرياً أكبر في إدارة شؤون الدولة. جاءت جميع هذه البنود في محاولة واضحة ومكشوفة لتقديم نظام سياسي أكثر مرونة وتعددية. وهذا بالمقارنة بنمط الحكم الإمبراطوري الصارم والشمولي الذي عُرف به نابليون في ذروة مجده وقوته العسكرية.
معركة واترلو ونهاية الحلم الدستوري
ويرى مؤرخون وباحثون في تاريخ الثورة الفرنسية أن هذه الوثيقة التاريخية، التي اصطُلح على تسميتها أيضاً بـ«الملحق الدستوري»، لم تكن مجرد حزمة إصلاحات سياسية تقليدية. بل كانت بمثابة محاولة إنقاذ متأخرة ويائسة لإعادة بناء الجسور الإستراتيجية بين نابليون والمجتمع الفرنسي. كان المجتمع الفرنسي أنهكته الحروب المتواصلة العابرة للقارات. كذلك أنهكته سنوات التعبئة العسكرية والمادية المستنزفة.
ورغم الطابع الليبرالي والإصلاحي المتقدم الذي حملته نصوص هذا الدستور، فإن عامل الوقت والظروف الجيوسياسية لم تكن في صالح الإمبراطور الفرنسي على الإطلاق. إذ سرعان ما واجه هزيمته العسكرية التاريخية والنهائية في معركة “واترلو” الشهيرة. لتنتهي مع تلك الهزيمة المدوية واحدة من أكثر التجارب السياسية والعسكرية تأثيراً وصخباً في تاريخ أوروبا الحديثة. وتُطوى معها بشكل قطعي صفحة مشروعه الدستوري الطموح قبل أن يكتمل أثره التشريعي أو يرى النور على أرض الواقع المعاش.


