بيروت – لبنان — يُعد “الخميس الأسود” من أكثر الأحداث دموية وإثارة للجدل في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية الكارثية. فلم تكن هذه الحادثة مجرد خرق أمني عابر، بل شكّلت محطة مفصلية ونقطة تحول خطيرة كشفت مبكراً عن حجم الاحتقان والانقسام الطائفي الذي كان يتفاقم بضراوة داخل نسيج المجتمع اللبناني، مما ساهم في تسريع انزلاق البلاد نحو أتون صراع دامي وعنف مستطير امتد لسنوات طويلة.
شرارة الأحداث والقتل على الهوية
ووقعت أحداث “الخميس الأسود” المروعة في السادس من ديسمبر عام 1975 م، بعد أشهر قليلة من اندلاع شرارة الحرب الأهلية، في وقت كانت فيه التوترات السياسية والطائفية قد بلغت مستويات حرجة غير مسبوقة. وجاءت هذه الانفجارات الميدانية عقب مقتل عدد من عناصر حزب الكتائب اللبنانية في ظروف غامضة أثارت غضب عارم بين أنصار الحزب، مما فجر موجة عاتية ومجنونة من أعمال الانتقام العشوائي والاشتباكات المسلحة في شوارع العاصمة بيروت ومناطق أخرى.
وخلال ذلك اليوم القاتم، انتشرت الحواجز المسلحة والميليشياوية بكثافة في عدد من الشوارع والتقاطعات الرئيسية؛ حيث جرى توقيف المارة والمدنيين والتدقيق الصارم في هوياتهم الشخصية لمعرفة انتماءاتهم الطائفية والمناطق والمذاهب التي ينحدرون منها. وتحولت تلك الحواجز فجأة إلى مسرح مرعب لعمليات تصفية وقتل واسعة النطاق استهدفت الأبرياء على أساس الهوية والانتماء الطائفي البحت، في مشهد صادم وصارم هز أركان الدولة اللبنانية والمنطقة بأكملها.
الفرز الديموغرافي وتعميق الكراهية
وأسفرت تلك المذبحة المفتوحة عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المواطنين العزل، فيما تباينت وتفاوتت التقديرات والتقارير بشأن العدد الحقيقي والنهائي للضحايا نتيجة حالة الفوضى العارمة وغياب الرقابة الرسمية التي رافقت تلك المرحلة الحساسة من الحرب. إلا أن المؤرخين والباحثين يجمعون بصورة قاطعة على أن ما جرى مثّل واحدة من أولى وأكبر المذابح الطائفية المنظمة التي شهدها النزاع اللبناني، وأرسل إشارات مرعبة ومباشرة تفيد بأن الصراع قد تجاوز الخلافات السياسية التقليدية ليتحول إلى مواجهة مجتمعية وجودية عميقة.
وأحدثت هذه المجزرة حالة من الذعر والهلع الجماعي بين المواطنين، مما دفع بآلاف الأسر والعائلات إلى النزوح القسري السريع من مناطق سكنهم المختلطة والبحث عن ملاذات وأماكن أكثر أماناً داخل مناطق جغرافية ذات أغلبية طائفية ومذهبية مشابهة لهم، وهو الأمر الذي ساهم بوضوح في تكريس نظام الفرز الجغرافي والديموغرافي الطائفي الذي اتسع وترسخ لاحقاً خلال سنوات الحرب الطويلة. كما عززت تلك الأحداث مناخات الكراهية الشديدة، والنفور، وعدم الثقة المتبادلة بين مختلف الأطراف والقوى اللبنانية، مما أدى إلى تصاعد محموم في العمليات الثأرية والانتقامية المتبادلة، وجعل من فرص التهدئة، والحلول الدبلوماسية، ولغة الحوار أمراً شبه مستحيل في تلك المرحلة.
أثر تاريخي وذكرى قاتمة
ويرى باحثون ومؤرخون متخصصون في الشأن اللبناني أن “الخميس الأسود” كشف بوضوح عن هشاشة التوازنات الداخلية والميثاقية في البلاد، وأظهر المدى الكارثي الذي يمكن أن يصل إليه التحريض الطائفي والانقسام السياسي عندما يتحول سريعاً إلى مواجهات دموية مسلحة واسعة النطاق، في ظل غياب تام ومأساوي لمؤسسات الدولة القادرة على فرض القانون واحتواء الأزمات العاصفة.واليوم، لا يزال هذا الحدث المأساوي حاضراً بقوة وبألم في الذاكرة اللبنانية الجماعية بوصفه أحد أكثر الأيام قتامة وسوداوية في تاريخ الحرب الأهلية الحديث، ودليلاً حياً وشاهداً تاريخياً على الثمن الباهظ والدامي الذي يمكن أن تدفعه المجتمعات بأكملها عندما تغيب العقلانية وتتحول الاختلافات الفكرية والسياسية والطائفية إلى صراع مسلح مفتوح يهدد وحدة السلم الأهلي واستقرار الوطن.


