دمشق، سوريا – تواصل أسواق الطاقة العالمية مواجهة حالة متزايدة من عدم اليقين. يأتي ذلك في ظل استمرار التوترات بين واشنطن وطهران دون مؤشرات على التهدئة. وتسرّع حكومات في الشرق الأوسط وخارجه جهودها لتطوير طرق بديلة لصادرات الطاقة والتجارة الدولية.
يمثل الإغلاق المطوّل لمضيق هرمز واحدة من أشد الصدمات الاقتصادية في التاريخ الحديث.
اتجه الرئيس الأميركي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الخيار العسكري ضد إيران بعد تعثر الجهود الدبلوماسية في تحقيق اختراق. وقد أسفر التصعيد عن خسائر كبيرة في صفوف المدنيين. نتيجة لذلك، ترك واشنطن أمام ضغوط متزايدة لاحتواء النزاع.
أدى الإغلاق الكامل إلى إخراج ما بين 15 و20 مليون برميل من النفط يوميًا من الأسواق الدولية. وإضافة إلى ذلك، تعرض نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، ومعظمها صادر من قطر، لاضطرابات كبيرة.
ويقدّر محللو الطاقة أن أسعار النفط قد ترتفع سريعًا إلى أكثر من 120 إلى 150 دولارًا للبرميل خلال فترة إغلاق ممتدة. كذلك تشير بعض أسوأ السيناريوهات إلى ارتفاعات مؤقتة قد تصل إلى 180 أو 200 دولار للبرميل إذا فشلت طرق الإمداد البديلة في تعويض الصادرات المفقودة.
كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي، ولا سيما في أوروبا وآسيا، مع تأخر شحنات الغاز الطبيعي المسال أو تغيير مساراتها.
التأثيرات التضخمية
تنعكس تكاليف الطاقة مباشرة على كل قطاع تقريبًا في الاقتصاد العالمي. فارتفاع أسعار الوقود يزيد تكاليف النقل والتصنيع وتوليد الكهرباء والزراعة والخدمات اللوجستية.
ونتيجة لذلك، من المرجح أن يؤدي الإغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز إلى إطلاق موجة تضخم جديدة حول العالم.
ويقدّر الاقتصاديون عمومًا أن كل زيادة مستمرة بنسبة 10% في أسعار النفط يمكن أن تضيف نحو 0.2 إلى 0.4 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم السنوية في الاقتصادات المتقدمة. إضافة إلى ذلك، تظهر تأثيرات أكبر في الدول النامية المستوردة للطاقة.
ومن المرجح أن يواجه المستهلكون ارتفاعًا في أسعار نطاق واسع من السلع اليومية، بما في ذلك الغذاء والخبز والسلع الزراعية والوقود والكهرباء والسفر الجوي والشحن والسلع الاستهلاكية المعتمدة على سلاسل الإمداد العالمية. وباختصار، كل ما يشتريه المواطن الأميركي العادي ويحمل عبارة “صُنع في الصين”.
كما سيدفع ارتفاع التضخم العديد من البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، مما يبطئ الاستثمار والنمو الاقتصادي.
التأثير على التجارة العالمية والشحن
لا يُعد مضيق هرمز ممرًا للطاقة فحسب، بل شريانًا حيويًا للتجارة الدولية أيضًا.
وسترتفع أقساط التأمين على السفن العاملة في الخليج بشكل حاد خلال أي أزمة مطولة. في الوقت نفسه، ستضطر شركات الشحن إلى تغيير مسارات الشحنات أو تحمل تكاليف أمنية أعلى.
الخسائر الاقتصادية الإجمالية
رغم أن التكلفة الدقيقة ستعتمد على مدة الاضطراب، يتفق الاقتصاديون عمومًا على أن الإغلاق المطوّل قد يمحو مئات المليارات من الدولارات من الاقتصاد العالمي.
ولهذا السبب، تسرّع دول عدة، من بينها الإمارات العربية المتحدة وتركيا والسعودية والعراق ومصر وغيرها، استثماراتها في السكك الحديدية البديلة وخطوط الأنابيب والموانئ وممرات التجارة البرية. تهدف هذه الخطوات إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وتعزيز مرونة إمدادات الطاقة العالمية.
وقد يكون اصطفاف جيوسياسي واقتصادي كبير آخذًا في التشكل في أنحاء الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تبحث تركيا والسعودية وعدة شركاء إقليميين إحياء سكة حديد الحجاز التاريخية. كما يسعون لتطوير شبكة تجارة برية أوسع تمتد من أوروبا إلى بحر العرب.
كشفت تركيا أن أنقرة تجري محادثات نشطة مع السعودية بشأن تحديث وتوسيع سكة حديد الحجاز التاريخية. بالإضافة إلى ذلك، هناك هدف طويل الأمد يتمثل في تمديد الخط وصولًا إلى سلطنة عُمان.
ولا يُنظر إلى المشروع باعتباره مجرد ترميم لسكة حديد تاريخية، بل إنشاء ممر نقل حديث يخدم الشحن التجاري والسياحة معًا.
إحياء حديث لسكة حديد الحجاز
شُيّدت سكة حديد الحجاز في الأصل بين عامي 1900 و1908 خلال الحقبة العثمانية. وكانت تربط دمشق بالمدينة المنورة في البداية. لاحقا، وصل طولها الإجمالي إلى نحو 1900 كيلومتر عبر توسعات متعاقبة.
ويجري تحويل المسار التاريخي إلى شبكة لوجستية معاصرة تربط تركيا وسوريا والأردن والسعودية، وصولًا في نهاية المطاف إلى عُمان.
وفي المرحلة الأولى من مشروع سكة حديد الحجاز الحديثة، سيتم ربط خط من تركيا إلى حلب. إلى جانب ذلك، يوجد قسم حلب – دمشق – الأردن بالفعل.
أما “مشروع طريق التنمية”، فيهدف إلى ربط ميناء الفاو الكبير في العراق بتركيا ومنها إلى أوروبا.
والمشروع جاهز من الناحية الفنية للتنفيذ، وسيُطوّر كمشروع مشترك يضم الإمارات العربية المتحدة والعراق وتركيا وقطر. بذلك، يُخلق شبكة لوجستية متكاملة قادرة على إعادة تشكيل التجارة الإقليمية.
رؤية إقليمية أوسع
يقوم التصور على بناء نظام شرق أوسطي جديد يستند إلى مبدأ “الملكية الإقليمية”. وتهدف الخطة إلى أن تتحمل دول المنطقة المسؤولية الأساسية عن معالجة تحدياتها السياسية والأمنية دون تدخل خارجي مفرط.
سوريا في قلب الممر
يتضمن عنصر رئيسي في شبكة التجارة المقترحة إعادة فتح مسار العبور البري التاريخي عبر سوريا.
ويمتد الممر من معبر باب الهوى الحدودي في شمال غرب سوريا، مرورًا بحلب ودمشق ودرعا، قبل أن يصل إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن. ويبلغ طول هذا المسار نحو 500 كيلومتر.
ولا يخدم المسار الجديد صادرات تركيا فحسب، بل يسهّل أيضًا حركة البضائع الأوروبية إلى أسواق الخليج وبالعكس.
وسيتطلب الممر ضمانات أمنية واسعة لحماية الشحنات من الجماعات المتطرفة، ولا سيما تنظيم داعش.
كما يعتمد نجاح مثل هذا المشروع على وجود إطار قانوني وتنظيمي مستقر قادر على جذب الاستثمار الخاص.
وبالنظر إلى التحديات الاقتصادية والأمنية المستمرة في سوريا، يرى كثير من المحللين أن استعادة عمليات عبور واسعة النطاق بالكامل لا تزال غير واقعية في المستقبل القريب.
مواجهة طرق التجارة المنافسة
يرى بعض المراقبين الإقليميين أن الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية الساحلية والموانئ السورية يمكن أن توفر بديلًا قابلًا للتطبيق للممر الاقتصادي المقترح بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا “IMEC”. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تقلل من الأهمية الاستراتيجية لميناء حيفا الإسرائيلي.
وفي ظل هذا السيناريو، يمكن لتركيا والسعودية وباكستان تأسيس محور لوجستي واستثماري جديد قد يحظى لاحقًا بدعم دولي أوسع. يشمل هذا الدعم الولايات المتحدة.
دول الخليج تبحث عن بدائل لمضيق هرمز
بالتوازي مع مبادرات السكك الحديدية والطرق السريعة هذه، يسرّع منتجو الطاقة في الخليج جهودهم لتطوير طرق تصدير بديلة تتجاوز مضيق هرمز.
وكجزء من هذه الاستراتيجية، يعتزم العراق توقيع اتفاق مع سوريا لنقل وتخزين ومناولة شحنات خام البصرة الخفيف وخام البصرة المتوسط وخام البصرة الثقيل عبر موانئ بانياس وطرطوس على البحر المتوسط.
هندسة اقتصادية إقليمية جديدة
مجتمعة، تشير عملية إحياء سكة حديد الحجاز، و”مشروع طريق التنمية”، وتوسيع ممرات العبور السورية، واستثمارات خطوط الأنابيب الخليجية، واستراتيجية العراق للتصدير عبر البحر المتوسط، إلى ظهور هندسة اقتصادية إقليمية جديدة.
وإذا نُفذت هذه المبادرات المترابطة بنجاح، فقد تعيد تعريف تدفقات التجارة بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. كما يمكن أن تقلل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية المعرضة للخطر، وتؤسس لعصر جديد من التكامل الاقتصادي تقوده بالدرجة الأولى قوى إقليمية. ومع ذلك، لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت هذه المشاريع الطموحة قادرة على تجاوز التحديات السياسية والأمنية والمالية الكبيرة التي تنتظرها. غير أن حجم الجهود الدبلوماسية والبنية التحتية الحالية وتنسيقها يشير إلى أن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة جديدة تصبح فيها ممرات النقل ذات أهمية استراتيجية تضاهي أهمية موارد الطاقة نفسها.


