طهران ، ايران – لم يعد الضغط الاقتصادي في إيران مقتصراً على تأمين الاحتياجات المعيشية اليومية؛ بل امتد ليطال أبسط الحقوق الإنسانية في الوداع الأخير. وفي ظل موجات التضخم المتلاحقة التي تنهش ميزانيات الأسر، جاء قرار مجلس مدينة طهران برفع أسعار خدمات مؤسسة “بهشت زهراء” – المسؤولة عن المدافن – بنسبة متوسطة بلغت 40%. تصل في بعض المناطق إلى 50%. نتيجة لذلك، يواجه المواطنون واقعًا مريرًا يثقل كاهلهم حتى في لحظات الحزن.
تضخم يطال “مراسم الوداع”
بموجب التعرفة الجديدة، قفزت تكلفة نقل الموتى داخل حدود العاصمة طهران إلى 9.75 مليون ريال. ارتفعت أيضًا أسعار غسل وتكفين ودفن الموتى وإقامة مراسم العزاء. هذا الارتفاع ليس مجرد رقم إضافي في سجل الخدمات العامة، بل هو مؤشر على تغلغل الأزمة الاقتصادية في مفاصل الحياة اليومية. أصبح الإنفاق ما بعد الوفاة عبئًا ماليًا إضافيًا، يضاف إلى قائمة الهموم التي تلاحق العائلات الإيرانية.
السلع الأساسية: “سياسة التقسيط” والوجبات المفقودة
على الجانب الآخر من المشهد المعيشي، تعيش الأسواق حالة من التوتر السعري الدائم. فقد حذر حسين فرهادي، المتحدث باسم اتحاد بنوك الطعام، من توجه لرفع سعر “زيت الطعام” مجدداً. وأكد أن سعره تضاعف قرابة ثلاث مرات مقارنة بالعام الماضي. وعلى الرغم من أن الزيادة الرسمية لم تُقر بعد، إلا أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والاستيراد يضع الأسواق أمام أمر واقع لا مفر منه.
وتشير البيانات الرسمية والميدانية إلى اتساع الفجوة المعيشية؛ حيث سجل معدل التضخم في أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء قفزة مذهلة بلغت 141%. تجاوز تضخم المواد الغذائية ككل حاجز الـ 115%. التضخم الجامح أدى إلى تحولات سلوكية قسرية في نمط استهلاك العائلات. لجأ المواطنون في العديد من المناطق إلى شراء الخبز بالقطعة الواحدة أو نصف القطعة لعدم قدرتهم على توفير ثمن الربطة الكاملة.
و اللحوم الحمراء من مادة أساسية في سلة الغذاء إلى “سلعة موسمية” لا تُستهلك إلا في المناسبات الكبرى. كما عادت ظاهرة الشراء بالتقسيط لتغزو محلات السوبر ماركت، حيث يضطر الكثيرون للاستدانة أو الدفع المؤجل لشراء سلع يومية بسيطة مثل الجبن، الزيت، البقوليات، ومعجون الطماطم.
أزمة الطبقة المتوسطة
إن لجوء شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة إلى الشراء بالتقسيط يعد دليلاً قاطعاً على تعمق الأزمة. فالتضخم لم يعد يهدد الفئات الأكثر فقراً فحسب، بل بات يسحق الطبقة الوسطى. هذه الطبقة تجد نفسها عاجزة عن تلبية نفقاتها الشهرية الأساسية، بحسب صحيفة “إيران واير”.
ورغم دعوات النقابات العمالية وبعض أعضاء البرلمان لتمديد صلاحية الفواتير الإلكترونية أو تقديم دعم تعويضي، لا تزال الحكومة الإيرانية تلتزم الصمت بشأن قيمة الدعم النهائي. وبينما تظل السياسات الاقتصادية عالقة في دوامة الوعود، يجد المواطن الإيراني نفسه مضطراً للمفاضلة بين رغيف الخبز وبين توفير تكاليف الجنازات. في مشهد يعكس بوضوح اتساع نطاق الأزمة الاقتصادية، لم تترك جانباً من جوانب حياة المواطن إلا وأثرت فيه بعمق.


