كوالالمبور ، ماليزيا – في خطوة استراتيجية تهدف إلى تأمين احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء، قررت ماليزيا التوسع في استغلال احتياطياتها من الغاز البحري لتلبية الطلب القياسي على الطاقة. وقد وصل الطلب إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة موجة الحر الشديدة والتوسع المتسارع في مراكز البيانات الرقمية. هذا التوجه يضع ماليزيا في مسار مغاير عن العديد من الدول الآسيوية الأخرى التي اضطرت، في ظل الاضطرابات الجيوسياسية العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة، إلى زيادة اعتمادها على الفحم لتعويض النقص في إمدادات الغاز الطبيعي المسال. خاصة جاء ذلك مع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي أثرت على استقرار أسواق الطاقة.
طفرة في الطلب وارتفاع الاعتماد على الغاز
كشفت بيانات صادرة عن مشغل نظام الشبكة الوطني في ماليزيا أن الطلب على الكهرباء في “شبه جزيرة ماليزيا” -التي تُعد القلب النابض للاقتصاد الماليزي وتستحوذ على قرابة 80% من إجمالي الطلب الوطني- قد شهد قفزة نوعية. حيث ارتفع الطلب بنسبة 11.5% على أساس سنوي خلال شهر أبريل الماضي. ولتغطية هذا العجز في القدرات الإنتاجية وتجنب انقطاعات التيار، اعتمدت الدولة بشكل رئيسي على رفع معدلات التوليد عبر محطات الطاقة العاملة بالغاز. وقد سجلت هذه المحطات زيادة ملحوظة بنسبة 50.5% في حجم الطاقة المولدة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
تحدي الفحم مقابل الغاز
وتأتي هذه السياسة في وقت تعاني فيه معظم دول القارة الآسيوية من ضغوط شديدة للعودة إلى حرق الفحم كمصدر أرخص وأكثر توفراً للكهرباء، رغم التزاماتها المناخية. وذلك نتيجة التقلبات الكبيرة في أسعار الغاز الطبيعي المسال وتراجع الإمدادات العالمية.
وفي المقابل، نجحت ماليزيا في تحصين قطاعها الطاقوي عبر الاعتماد على مواردها الغازية المحلية. هذا ما مكنها من الحفاظ على وتيرة التنمية الاقتصادية وتزويد مراكز البيانات الضخمة بالطاقة اللازمة دون الانزلاق إلى مستويات أعلى من انبعاثات الفحم الضارة.
ويرى المحللون أن هذه الخطوة الماليزية تعكس مرونة عالية في إدارة موارد الطاقة الوطنية. فبينما يظل الطلب العالمي على الطاقة في حالة تذبذب، تواصل ماليزيا موازنة المعادلة الصعبة بين ضمان أمن الطاقة الوطني، والحد من البصمة الكربونية من خلال تقليل الاعتماد على الفحم، والتعامل مع ضغوط الحرارة القياسية التي تستهلك كميات ضخمة من الطاقة الكهربائية للتبريد. ومن المتوقع أن تستمر هذه السياسة في المدى القريب كحل مستدام في ظل استمرار عدم الاستقرار الإقليمي الذي يهدد استقرار أسواق الوقود الأحفوري عالمياً. وهذا ما يعزز من مكانة ماليزيا كنموذج إقليمي في الاعتماد على الموارد المحلية لتجاوز أزمات الطاقة الدولية.


