واشنطن ، الولايات المتحدة – أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) عن تفاصيل مشروعها التاريخي الطموح “قاعدة القمر” (Moon Base)، والذي يهدف إلى إنشاء أول مستوطنة بشرية قمرية دائمة ومستدامة. وكشفت الوكالة أنها ستقدم خطتها الهندسية والزمنية المفصلة يوم الثلاثاء المقبل، 26 مايو/أيار 2026، في إيجاز صحفي موسع من مقرها الرئيسي بالعاصمة واشنطن. وسيتم ذلك بحضور مدير وكالة ناسا جاريد إسحاقمان، ونائبة المدير لوري جليز، إلى جانب مدير برنامج قاعدة القمر كارلوس غارسيا جالان.
وتأتي الخطوة الاستراتيجية لتؤرخ لبداية عصر ذهبي جديد للاستكشاف والابتكار، معتمدة على النجاحات المتتالية الأخيرة التي حققتها مهمة “أرتميس 2”. وقد بثت هذه المهمة خلال شهري أبريل ومايو من العام الجاري لقطات ومقاطع فيديو مذهلة لغروب كوكب الأرض خلف الأفق القمري.
ثلاث مراحل و80 عملية إطلاق فضائي
ووفقاً للمخطط الهيكلي الذي سربته ناسا، فإن البرنامج الاستراتيجي سيتطور تدريجياً عبر ثلاث مراحل تشغيلية معقدة. وتتطلب هذه المراحل مجتمعة تنفيذ أكثر من 80 عملية إطلاق صاروخي وعشرات عمليات الهبوط اللوجستي المعقدة على السطح لضمان الوجود البشري المستمر:
المرحلة الأولى (الوصول واختبار التكنولوجيا الحيوية): تركز هذه المرحلة الأولية على اختبار أنظمة دعم الحياة والتقنيات اللازمة للاستيطان طويل الأمد. كما تتضمن التخطيط لإطلاق 25 مركبة فضائية وهبوط 21 مركبة أخرى، بما يشمل تدشين أول مهمة مأهولة لرواد الفضاء ضمن هذا البرنامج.
المرحلة الثانية (بناء البنية التحتية والرحلات الدورية): تستهدف بناء وتوسيع القدرات التشغيلية والمنشآت الأولى على سطح القمر. وتشمل هذه المرحلة إطلاق 27 مركبة وهبوط 24 مركبة، بالتوازي مع تسيير رحلات مأهولة منتظمة بشكل دوري كل ستة أشهر.
المرحلة الثالثة (التشغيل الكامل والوجود المستدام): تتوج هذه المرحلة برؤية قاعدة تشغيلية متكاملة ذات وجود بشري دائم ومستمر. وتتضمن جداولها تنفيذ 29 عملية إطلاق و28 عملية هبوط، مع زيادة هائلة في حجم المعدات الفنية الثقيلة الحيوية وأنظمة دعم الطاقة المتقدمة.
القطب الجنوبي: واحة الجليد وتحديات البيئة القاسية
وقد وقع اختيار وكالة ناسا الاستراتيجي على منطقة القطب الجنوبي للقمر لتكون مقراً للمستوطنة البشرية، نظراً لطبيعتها الجيولوجية الفريدة واحتمالية احتوائها على كميات ضخمة من المياه المتجمدة والجليد المائي داخل الفوهات والمناطق المظللة بشكل دائم.
ويمكن استغلال هذه الثروة المحلية في المستقبل لإنتاج مياه الشرب النقية، واستخراج الأكسجين للتنفس، بل وتوليد وقود الصواريخ لرحلات العودة.
علاوة على ذلك، تتميز بعض القمم المرتفعة في القطب الجنوبي بتعرضها لإشعاع شمسي شبه مستمر. وهذا يوفر مصدراً مستداماً ومثالياً لإمدادات الطاقة الكهربائية عبر الألواح الشمسية الفضائية.
ومع ذلك، تقر ناسا بأن التحديات التقنية والتشغيلية الميدانية في هذه البقعة بالغة الصعوبة والخطورة؛، حيث تفرض درجات الحرارة المنخفضة للغاية التي تصل إلى مستويات قياسية، وفترات الظلام الدامس الطويلة، والتضاريس الوعرة والمحاطة بالمرتفعات عوائق جسيمة أمام حركة رواد الفضاء. كما تعيق هذه العوامل عمل المركبات الروبوتية والمستكشفات المسيرة.
تحالف دولي وشراكات خاصة تمهد الطريق نحو المريخ
وللتغلب على هذه العقبات المالية والتقنية، سيعتمد برنامج “قاعدة القمر” بشكل رئيسي على تحالف دولي متين وشراكات استراتيجية وثيقة مع قطاع الفضاء التجاري والشركات الخاصة. ومن المتوقع أن تساهم شركات رائدة مثل “سبيس إكس”، و”بلو أوريجين”، و”إنتويتيف ماشينز”، و”أستروبوتيك” في تطوير مركبات الهبوط وأنظمة النقل والتكنولوجيا الرقمية.
وعلى الصعيد الدولي، ستشارك اليابان بتطوير مركبة نقل قمرية متطورة ومغلقة. وستساهم إيطاليا ببناء وتصميم أجزاء رئيسية من الوحدات السكنية المأهولة، بينما ستقدم كندا مركبة دعم برية متخصصة للحركة على السطح.
وفي نهاية المطاف، تؤكد وكالة ناسا أن الهدف الأسمى من اتخاذ القمر كـ”أرض اختبار” هو تطوير واختبار آليات استغلال الموارد المحلية. ويسعى البرنامج كذلك لتمهيد الطريق لإطلاق الرحلات والبعثات المأهولة المستقبلية إلى كوكب المريخ، وخلق أول وجود بشري مستدام ومستقر خارج كوكب الأرض.


