القاهرة ، مصر – تتصاعد في موريتانيا حالة من الغليان الشعبي والسياسي حول مصير ملايين الدولارات التي جُمعت تحت مسميات “دعم غزة” و”نصرة المقاومة”. في ظل اتهامات صريحة بسوء التدبير والاختلاس، هناك أيضاً تحذيرات من أن هذه الأموال—التي قُدرت بملايين الدولارات—لم تصل إلى مستحقيها من المتضررين في القطاع. علاوة على ذلك، بل وُجهت لاستثمارات عقارية وتجارية في الخارج.
مشهد التبرعات: كرمٌ موريتاني في قفص الاتهام
منذ اندلاع الحرب على غزة، سطر الشعب الموريتاني بقبائله وأفراده وجمعياته ملحمة في التضامن. فقد نظمت عشرات الحملات وشهدت تنافساً قبلياً ملحوظاً، من قبائل “بني حسن”، و”تنواجيو”، و”أولاد عمني”، وصولاً إلى التجار في الأسواق المحلية. وتشير التقارير إلى أن مبالغ ضخمة تجاوزت حاجز الـ 10 ملايين دولار قد سُلمت في معظمها بشكل مباشر لممثل حركة “حماس” في نواكشوط أو لهيئات غير حكومية مرتبطة بها، مثل “الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني”. وهذا بعيداً عن القنوات الدبلوماسية الرسمية للسلطة الفلسطينية أو المنظمات الدولية المحايدة.
هذا التوجه المباشر أثار تساؤلات جوهرية حول آليات الرقابة، ففي غياب تقارير مالية علنية وموثقة توضح حجم المبالغ المُجمعة ومسارات إرسالها وكيفية توزيعها داخل غزة. نتيجةً لذلك، تحولت هذه المساهمات من رمز للوحدة الوطنية إلى مادة للشكوك والجدل العنيف.
موقف السفير الفلسطيني: دعوة للشفافية
في قلب هذا الجدل، خرج السفير الفلسطيني في نواكشوط، بشير أبو حطب، بتصريحات وُصفت بالجرئية. حيث أكد أن “التبرعات لم تصل إلى قطاع غزة”، وأعرب عن استعداد السفارة لتولي الإشراف على تلك الأموال لضمان وصولها إلى مستحقيها بشفافية كاملة.
هذا الموقف لم يمر بسلام، إذ قوبل بحملات تشويه وإساءات إعلامية. ويرى مراقبون محليون أن ذلك انحدار في الخطاب العام ومحاولة لطمس الحقائق بدلاً من مواجهتها.
اتهامات بالاستيلاء وشبكات دولية
لم يقتصر الانتقاد على الجانب الموريتاني، بل امتد ليتجاوز الحدود. حيث اتهم الناشط الغزاوي حمزة المصري جهات لم يسمها بالاستيلاء على ما يصل إلى 250 مليون دولار جُمعت باسم غزة في موريتانيا وحدها.
وحمل المصري منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية المسؤولية القانونية في ملاحقة هذه الأموال.
وفي سياق أوسع، أشار الباحث في حركات الإسلام السياسي، ماهر فرغلي، إلى أن الأزمة هي جزء من منظومة أكبر. إذ سبق لحركة “حماس” نفسها أن اتهمت في بيان رسمي العام الماضي جمعية “وقف الأمة” وشبكات إخوانية في تركيا بالاستيلاء على نصف مليار دولار من التبرعات.
وأوضح فرغلي أن هذه الأموال كانت تُدار من قبل منسقين داخل الحركة وتُستثمر في مشروعات سياحية وعقارية في دول مثل تركيا والمغرب. وهذا أيضاً بعيداً عن ساحات القتال والحاجة.
المحامي ولد أمين: “نصّابون بعباءة القداسة”
في موريتانيا، صعد المحامي محمد ولد أمين من لهجة الخطاب واصفاً الجهات التي أشرفت على جمع الأموال بأنها مارست “النصب والاحتيال”. وتساءل ولد أمين في تدوينة أثارت جدلاً واسعاً: “من يجمع قبيلته ويحفزها عبر العزف على الحمية والمفاخرة ويحتفظ لنفسه بنسبة معتبرة، هو شخص نصاب، حتى وإن كان ذقنه طويلاً أو وضع عمامة وجلس في المحراب يذرف دموع التماسيح”.
وأكد أن دور المثقف هو كشف هؤلاء أمام الجميع، لأن التوازنات الاجتماعية لا يمكن أن تُبنى على الأكاذيب وسرقة تبرعات الفقراء.
أزمة أخلاقية ومؤسسية
من جهته، يرى الصحفي محمد نعمه ولد عمر أن موريتانيا تواجه اليوم “أزمة أخلاقية” مركبة، حيث اختلطت قداسة القضية الفلسطينية بالحسابات المالية الضيقة.
ويشدد ولد عمر على أن الهروب من الأسئلة المشروعة عبر التخوين لن يغير الحقيقة: “لا توجد تقارير توزيع، لا توجد شفافية، وهناك صمت رسمي يفتح الباب واسعاً أمام التأويلات”. وبالإضافة إلى ذلك، يؤكد ولد عمر على ثلاث حقائق يجب مواجهتها في مقدمتها حماية الدبلوماسية مسؤولية جماعية. وفي نفس السياق، الإساءة للسفير الفلسطيني لا تعبر عن أخلاق الشعب الموريتاني.
وقال إن نشر الوثائق والمعطيات المالية هو السبيل الوحيد لإنهاء الجدل. فإذا كانت الأموال قد صُرفت في وجهتها الصحيحة، فلماذا الخوف من الكشف عنها؟ وكشفت هذه القضية الفجوة العميقة في إدارة العمل الإغاثي، والحاجة الماسة لآليات رقابية تضمن عدم التلاعب بـ”أمانات الشعوب”.


