- من «ضرب إسرائيل» إلى «رفع تكلفة الحرب»
- إسرائيل قد تكون «الفخ» وليس الهدف
- إيران تلعب على «المسافة» بين واشنطن وتل أبيب
- «الحرب الأفقية» بدل المواجهة العمودية
- لماذا هرمز أهم من تل أبيب الآن؟
- الاقتصاد أصبح جزءًا من الردع
- لماذا لا تعني عدم مهاجمة إسرائيل «العجز»؟
- إسرائيل تملك ميزة «التصعيد»
- «الدفاع المتقدم» لم يعد يعمل كما كان
- الصمت عن إسرائيل قد يكون رسالة
- لعبة الانتظار لها ثمن
- المعادلة الإيرانية الجديدة
- هل تغيّر هدف الحرب؟
ابو ظبى ، الامارات – في لحظة تبدو فيها منطقة الشرق الأوسط أقرب إلى انفجار إقليمي واسع، تبدو المفارقة الأكثر أهمية في سلوك إيران أنها لا تجعل إسرائيل الهدف الرئيسي لردها العسكري المباشر، رغم أن الحرب بدأت أصلًا بضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت إيران ومنشآتها العسكرية والنووية.
لكن قراءة التحركات الإيرانية خلال الأيام الأخيرة تكشف أن المسألة قد لا تكون امتناعًا عن القتال بقدر ما هي إعادة تعريف لميدان المعركة. فالأهداف الإيرانية المعلنة حاليًا تتركز على استعادة الردع أمام الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، إضعاف قدرة واشنطن على مواصلة الحرب، والحصول على اعتراف بدور إيران في مضيق هرمز، إضافة إلى محاولة الفصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية. ولا تظهر إسرائيل بوصفها الهدف الوحيد أو حتى المركزي في هذه المعادلة.
من «ضرب إسرائيل» إلى «رفع تكلفة الحرب»
خلال العقود الماضية بنت إيران جزءًا كبيرًا من أمنها الإقليمي على مفهوم «الدفاع المتقدم»، أي إبقاء خطوط المواجهة بعيدة عن الأراضي الإيرانية عبر شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في لبنان والعراق واليمن وسوريا وغزة. لكن حرب 2026 كشفت حدود هذا النموذج. وتذهب دراسة حديثة في دورية Small Wars & Insurgencies إلى أن تجربة 2023–2025 أظهرت نقاط ضعف في الردع الإيراني القائم على الوكلاء، بينما خلصت دراسة لـ«تشاتام هاوس» إلى أن سياسة «الدفاع المتقدم» تحولت إلى ما يشبه الارتداد الاستراتيجي على طهران بعدما انتهت إلى مواجهة مباشرة كانت إيران تسعى تاريخيًا إلى تجنبها. لهذا يبدو أن السؤال الإيراني لم يعد: كيف نضرب إسرائيل؟ بل: كيف نجعل استمرار الحرب أكثر تكلفة على الطرف الذي بدأها ، وهنا تظهر أهمية الأهداف الأمريكية والخليجية ومصالح الطاقة والممرات البحرية.
إسرائيل قد تكون «الفخ» وليس الهدف
أي ضربة إيرانية كبيرة ومباشرة على إسرائيل يمكن أن تمنح تل أبيب مبررًا لتوسيع نطاق الحرب داخل إيران ، وقد حذر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحة من أن أي هجوم إيراني على إسرائيل سيحرر إسرائيل من القيود التي تقول إنها تفرضها على نفسها، مهددًا بضرب البنية العسكرية والمدنية والطاقة داخل إيران. هذه المعادلة تجعل الضربة الإيرانية المباشرة على إسرائيل مختلفة عن استهداف قاعدة أمريكية أو الضغط على المصالح الاقتصادية المرتبطة بالحرب. في الحالة الأولى، تستطيع إسرائيل تقديم التصعيد باعتباره ردًا مباشرًا على هجوم إيراني على أراضيها. أما في الحالة الثانية، فتتوزع كلفة الحرب بين الولايات المتحدة وحلفائها ومصالح اقتصادية إقليمية ودولية، بما يزيد تعقيد قرار واشنطن بشأن الاستمرار.
إيران تلعب على «المسافة» بين واشنطن وتل أبيب
تقرير معهد دراسة الحرب الصادر في 8 سبتمبر يحدد أربعة أهداف للحملة الإيرانية: الاعتراف بالسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، تقليص قدرة الولايات المتحدة ورغبتها في مواصلة الحرب، استعادة الردع أمام الولايات المتحدة وشركائها، ومحاولة فصل الولايات المتحدة وإسرائيل عن الدول العربية ، هذه الأهداف تكشف تحولًا مهمًا. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى تدمير إسرائيل كي تقول إنها استعادت قدرتها على الردع؛ يكفيها، وفق هذا المنطق، أن تجعل واشنطن تدفع ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا متزايدًا، وأن تمنع تشكيل جبهة إقليمية موحدة ضدها ، وهنا يصبح ضرب إسرائيل وسيلة محتملة وليس بالضرورة الهدف النهائي.
«الحرب الأفقية» بدل المواجهة العمودية
المعادلة الجديدة يمكن وصفها بـ«الحرب الأفقية»: توسيع مساحة التكلفة بدل زيادة قوة الضربة على هدف واحد ، إيران تمتلك أدوات متعددة لتحقيق ذلك، من الصواريخ والطائرات المسيرة إلى الضغط على المنشآت والطاقة والممرات البحرية، إضافة إلى شبكة حلفائها الإقليميين. وفي 8 سبتمبر، أظهرت تحركات الحوثيين ضد منشآت نفطية سعودية مثالًا واضحًا على هذا النوع من التفكير؛ فمعهد دراسة الحرب يرى أن الجماعة انتقلت من استهداف السفن إلى استهداف «الشرايين الاقتصادية» بعدما تبين أن الحصار البحري وحده لم يحقق أهدافه ، وهذا مهم لفهم السلوك الإيراني نفسه: عندما يفشل الضغط على الهدف المباشر، يمكن نقل المعركة إلى تكلفة الهدف الاقتصادية والسياسية.
لماذا هرمز أهم من تل أبيب الآن؟
مضيق هرمز يقدم لطهران ورقة لا توفرها الضربة المباشرة على إسرائيل ، فالمضيق يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب طويل فيه يخلق تكلفة تتجاوز إيران وإسرائيل إلى الاقتصاد العالمي ، لكن المشكلة أن هذه الورقة بدأت تفقد جزءًا من قوتها.
رويترز نقلت في 6 سبتمبر أن قدرة إيران على استخدام هرمز كأداة ضغط تراجعت بعدما تكيفت الأسواق وتحولت بعض الإمدادات إلى مسارات بديلة، بينما أدى الحصار الأمريكي والعقوبات إلى الضغط على عائدات إيران وقدرتها على الوصول إلى العملات الأجنبية. لذلك لا يبدو أن طهران تريد إغلاق المضيق إلى أجل غير مسمى؛ فالإغلاق الكامل يضر خصومها، لكنه يهدد أيضًا إحدى أهم أدواتها الاقتصادية. المعادلة الأكثر فائدة لإيران هي إبقاء المضيق ورقة ضغط قابلة للتصعيد دون تحويلها بالضرورة إلى حرب بحرية شاملة.
الاقتصاد أصبح جزءًا من الردع
تحت ضغط العقوبات والحصار البحري، تواجه إيران أزمة اقتصادية متزايدة تشمل تراجع صادرات النفط، نقص العملات الأجنبية، ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة على الاستيراد. ووفق رويترز، يخشى مسؤولون إيرانيون من أن يؤدي الضغط الاقتصادي إلى تجدد الاضطرابات الداخلية ، لكن الضغط الاقتصادي لا يعني بالضرورة أن إيران ستتراجع. المفارقة أن الأزمة الاقتصادية نفسها قد تجعل القيادة الإيرانية أكثر تمسكًا بإظهار القدرة على الرد، لأن التراجع دون الحصول على مقابل سياسي يمكن أن يُقرأ داخليًا باعتباره هزيمة. لهذا تبدو طهران أمام معادلة شديدة التعقيد: تحتاج إلى التصعيد كي لا تبدو ضعيفة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى منع التصعيد من الوصول إلى مرحلة تهدد بقاء النظام.
لماذا لا تعني عدم مهاجمة إسرائيل «العجز»؟
القدرات الصاروخية الإيرانية لم تختفِ ، في 8 سبتمبر، أشار معهد دراسة الحرب إلى استخدام إيران لصاروخ «قاسم بصير» الباليستي، بمدى يبلغ نحو 1200 كيلومتر، مع قدرة على المناورة أثناء العودة إلى الغلاف الجوي. كما أشارت تقارير إلى أن إيران تتحول تدريجيًا من التركيز على زيادة مدى الصواريخ إلى تحسين الدقة والحركة والبقاء والمرونة العملياتية. لكن امتلاك القدرة على الضرب لا يعني أن استخدامها هو الخيار الأفضل ، المشكلة بالنسبة لطهران هي ما سيأتي بعد الضربة. إذا أطلقت إيران هجومًا واسعًا على إسرائيل وأوقع خسائر كبيرة، فقد تحقق نجاحًا تكتيكيًا، لكنها قد تفتح في المقابل الباب أمام موجة إسرائيلية وأمريكية أكبر ضد البنية العسكرية والطاقة والقيادة داخل إيران. وهذا تحديدًا ما يجعل القدرة على عدم استخدام السلاح في اللحظة التي يتوقع فيها الخصم استخدامه جزءًا من الردع.
إسرائيل تملك ميزة «التصعيد»
تاريخ المواجهة بين إيران وإسرائيل يكشف أن التفوق لا يتعلق بعدد الصواريخ فقط، بل بمن يستطيع التحكم في درجة التصعيد ، وقد ركزت دراسات استراتيجية عدة على مفهوم «هيمنة التصعيد»، أي امتلاك القدرة على رفع مستوى المواجهة بدرجة لا يستطيع الخصم مجاراتها بسهولة. وتذهب تحليلات متخصصة إلى أن إسرائيل احتفظت في مراحل عديدة من الصراع بقدرة أكبر على الانتقال من الضربات المحدودة إلى استهداف القيادة والبنية العسكرية والنووية. وهنا تصبح الضربة الإيرانية المباشرة على إسرائيل مخاطرة استراتيجية أكبر من مجرد إطلاق صواريخ. فطهران لا تواجه هدفًا منفردًا؛ إنها تواجه منظومة تضم إسرائيل والولايات المتحدة وقواعد أمريكية وشبكة دفاع جوي وشركاء إقليميين.
«الدفاع المتقدم» لم يعد يعمل كما كان
التحول الأخطر بالنسبة لإيران أن شبكة الردع التي بنتها طوال سنوات لم تعد تؤدي الوظيفة نفسها ، دراسة تشاتام هاوس ترى أن «محور المقاومة» الذي كان يفترض أن يبعد المواجهة عن إيران لم يمنع الحرب المباشرة، بل ساهم في جرها إليها. كما يرى معهد الشرق الأوسط أن التجربة التاريخية للحرب الإيرانية–العراقية تركت لدى صناع القرار الإيرانيين قناعة بأن البلاد لا تستطيع تحمل مواجهة مباشرة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا يفسر لماذا قد تكون طهران بصدد بناء ردع جديد لا يعتمد على «الضربة الكبرى»، وإنما على توزيع المخاطر ورفع كلفة الحرب على أكثر من جبهة.
الصمت عن إسرائيل قد يكون رسالة
في الحروب، لا تكون الضربة وحدها رسالة ، أحيانًا يكون الامتناع عن الضربة رسالة أيضًا ، إذا كانت إسرائيل تتوقع أن ترد إيران مباشرة، ثم لا يحدث الرد بالحجم المتوقع، فإن حسابات الاستخبارات والسياسة تتغير. وإذا بدأت الولايات المتحدة في الاستعداد لاحتمال ضربة إيرانية على إسرائيل، ثم اختارت طهران هدفًا مختلفًا، فإن إيران تكون قد أجبرت خصمها على توزيع قواته وموارده واهتمامه على احتمالات متعددة. هذه ليست بالضرورة علامة على استراتيجية ناجحة؛ لكنها تمنح طهران مساحة للمناورة .
لعبة الانتظار لها ثمن
لكن استراتيجية الانتظار ليست بلا مخاطر ، كلما طال أمد الحرب، تزداد الضغوط الاقتصادية على إيران، وتتراجع بعض قدرتها على استخدام هرمز كورقة ضغط، بينما تتكيف الولايات المتحدة وحلفاؤها مع نمط الهجمات الإيرانية ، رويترز نقلت عن محللين أن طهران ما زالت تراهن على قدرتها على تحمل الألم الاقتصادي، لكنها تواجه في الوقت نفسه خطر أن تتحول سياسة الاستنزاف إلى عبء داخلي إذا ارتفعت الأسعار ونقصت السلع وتراجعت العملة. لذلك فإن إيران لا تملك رفاهية حرب بلا نهاية.
المعادلة الإيرانية الجديدة
يمكن تلخيص السلوك الإيراني الحالي في معادلة مختلفة عن السنوات السابقة ، لا تضرب إسرائيل إذا كان ثمن الضربة فتح جبهة أكبر داخل إيران، واضرب ما يرفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها دون منح إسرائيل تفويضًا مفتوحًا للتصعيد. هذه المعادلة تفسر لماذا تبدو إيران في الوقت نفسه أكثر تصعيدًا في الخليج وأقل اندفاعًا نحو مواجهة مباشرة واسعة مع إسرائيل. إنها لا تتخلى عن إسرائيل كخصم، لكنها قد تكون بصدد نقل مركز الثقل من تدمير الهدف إلى تغيير حسابات الخصم.
هل تغيّر هدف الحرب؟
ربما تكون الإجابة الأهم أن إيران لم تعد تتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة ثنائية بين طهران وتل أبيب ، الحرب، في الحساب الإيراني الحالي، تبدو أقرب إلى صراع على من يستطيع تحديد تكلفة الاستمرار. إذا تمكنت طهران من جعل الولايات المتحدة ترى أن استمرار الحرب يهدد قواعدها ومصالحها والطاقة العالمية وحلفاءها العرب، فقد تحقق جزءًا من هدفها حتى من دون توجيه ضربة كبرى إلى إسرائيل.
أما إذا فشلت في تحويل هذه التكلفة إلى تنازل سياسي، واستمرت العقوبات في خنق اقتصادها، فقد تجد نفسها أمام الخيار الذي حاولت طوال الوقت تجنبه: الانتقال من حرب استنزاف محسوبة إلى مواجهة مباشرة لا تستطيع التحكم في نهايتها ، ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا لا تضرب إيران إسرائيل؟ بل: هل أصبحت الضربة التي لا تطلقها طهران أحيانًا أخطر من الصاروخ الذي تطلقه؟



