بماكو، مالي – في مؤشر بارز على تعثر العمليات العسكرية الحكومية، وافق تنظيم “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبط بتنظيم القاعدة على رفع الحصار المحكم الذي فرضه طيلة نحو 11 شهراً على مدينة “ليري” الواقعة شمالي مالي بالقرب من الحدود الموريتانية. تم ذلك إثر مفاوضات قادها وجهاء محليون بمشاركة قائد الجيش في المدينة ومسؤولين محليين.
مفاوضات تحت ضغط الميدان وشروط صارمة
جاء الاتفاق المحلي ليتوج جهود الوساطة التي قادها أعيان المنطقة لإنهاء الأزمة الإنسانية الخانقة التي عانى منها السكان طوال أشهر طويلة.
ورغم التوصل إلى صيغة لرفع الحصار، إلا أن حركة المرور وتدفق الإمدادات لن تعودا إلى طبيعتهما بالكامل. سيحدث ذلك فقط بعد أن يقدم التنظيم المسلح على إزالة الألغام والعبوات الناسفة التي زرعها بكثافة على الطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة.
ويكشف هذا التطور الميداني بوضوح عن عجز المؤسسة العسكرية المالية، مدعومة بعناصر “الفيلق الأفريقي” الروسي، عن تأمين مدينة تحوي حامية عسكرية حكومية رسمية.
وخلافاً للسيطرة المباشرة، فرض التنظيم المتطرف قبضته من خارج الأسوار. بذلك، حاصر محيط الطرق الحيوية. وسيطر أيضاً على قرار السماح بدخول المواد الغذائية والوقود وخروج المدنيين. هكذا، كرّس واقعاً هزيلاً لقوات النظام.
استراتيجية الحصار والاتفاقات المحلية المتكررة
لا يعد ما حدث في “ليري” حالة استثنائية، بل يتقاطع مع أنماط مشابهة في مناطق عدة بمالي؛ ففي مدينة “بوني” وسط البلاد، اضطرت السلطات المحلية في عام 2025 إلى القبول بتقليص حجم وجودها العسكري مقابل فك حصار استمر نحو عامين.
وفي بلدات أخرى مثل “فرابوغو”، تفرض الجماعة ضرائبها وقواعدها بدلاً عن الدولة. في المقابل، أبرمت عدة قرى وبلدات في أقاليم سيغو وموبتي وتمبكتو اتفاقات تفاهم محلية مباشرة مع التنظيم لضمان فتح الطرق ووقف الهجمات.
وتؤكد الدراسات الأمنية المتخصصة أن انتشار الجيش وحلفائه الروس يظل مقيداً داخل القواعد الحصينة والمدن الرئيسية. في هذا الوقت يتحرك عناصر التنظيم بحرية عبر الأرياف عبر خلايا صغيرة تستهدف خطوط الإمداد وطرق المواصلات.
وتتفاقم هذه المعضلة العسكرية نتيجة تشتت القوات الحكومية بين جبهات متعددة وصراعات مفتوحة مع كل من تنظيم القاعدة، وتنظيم داعش، والحركات الأزوادية الانفصالية.
انتهاكات حقوقية وسط عجز ميداني
وفي الوقت الذي أبدت فيه القوات الحكومية وحلفاؤها عجزاً ذريعاً عن فك الحصار عن “ليري” عسكرياً، وثقت منظمات دولية، من أبرزها “هيومن رايتس ووتش”، انتهاكات جسيمة ارتكبتها القوات على الأرض؛
حيث قتل 9 مدنيين بينهم 4 أطفال في قرية “بومبوري” يوليو الماضي على يد عناصر الفيلق الأفريقي برفقة جنود ماليين. حدث ذلك بعد انسحاب مقاتلي التنظيم من القرية.
كما أسفرت غارة جوية روسية عن مقتل 8 مدنيين، بينهم 3 أطفال في قرية “كيرنيا” بمنطقة موبتي. بهذا، يضاعف ذلك من مأساة السكان المدنيين العالقين بين مطرقة الجماعات المسلحة وسندان العمليات العسكرية المتعثرة.


