واشنطن ، الولايات المتحدة – تمثل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران أحد أكثر الملفات تعقيداً واستمرارية في السياسة الدولية. إذ شهدت العلاقة بين البلدين على مدار أكثر من أربعة عقود محطات متباينة تراوحت بين التوتر الحاد والانفراج المؤقت. كما كانت هناك محاولات متكررة لإيجاد أرضية مشتركة حول القضايا الأمنية والنووية والاقتصادية.
وتعود جذور الأزمة إلى عام 1979 عقب الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه، الحليف التقليدي لواشنطن. بعد ذلك دخلت العلاقات الثنائية مرحلة من القطيعة السياسية بعد أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران. وقد أدى ذلك إلى فرض عقوبات أمريكية واسعة استمرت بأشكال مختلفة حتى اليوم.
وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي شهدت العلاقات فترات من التصعيد المتبادل. في الوقت نفسه ظلت قنوات الاتصال غير المباشرة مفتوحة عبر وسطاء إقليميين ودوليين، خصوصاً في الملفات المرتبطة بأمن الخليج والأوضاع الإقليمية.
ومع بداية الألفية الجديدة تصدر الملف النووي الإيراني واجهة الخلافات. بعدما أثارت الأنشطة النووية الإيرانية مخاوف غربية بشأن إمكانية تطوير برنامج عسكري. في حين أكدت طهران مراراً أن برنامجها يهدف إلى الاستخدامات السلمية فقط.
وشهد عام 2013 انطلاقة مرحلة جديدة من الحوار بعد وصول الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى السلطة. عندها بدأت مفاوضات مكثفة بين إيران ومجموعة الدول الكبرى، وكان ذلك بدعم مباشر من إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.
وأثمرت تلك الجهود في يوليو 2015 عن التوصل إلى الاتفاق النووي المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”. وقد نص على فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
غير أن هذا المسار لم يدم طويلاً. إذ أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2018 الانسحاب من الاتفاق وإعادة فرض عقوبات صارمة على إيران ضمن سياسة “الضغط الأقصى”. ونتيجة لذلك أدى ذلك إلى تصاعد التوترات السياسية والعسكرية بين الجانبين.
وفي المقابل بدأت إيران تقليص بعض التزاماتها الواردة في الاتفاق النووي. الأمر الذي زاد من حدة المخاوف الدولية وأعاد الملف إلى دائرة الأزمات المتكررة داخل مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومع وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى البيت الأبيض تجددت الجهود الدبلوماسية لإحياء الاتفاق النووي. عندها استضافت عدة عواصم جولات من المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين. إلا أن الخلافات المتعلقة بالعقوبات والضمانات السياسية حالت دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
وخلال السنوات الأخيرة اتسعت دائرة التفاوض لتشمل ملفات أخرى تتعلق بالأمن الإقليمي، وبرامج الصواريخ، وتبادل السجناء، وتخفيف العقوبات. نتيجة لذلك أصبحت المباحثات أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي وقت مضى.
ويرى مراقبون أن تاريخ المفاوضات الإيرانية الأمريكية يكشف عن نمط متكرر من التقدم والتراجع. حيث غالباً ما تتداخل الحسابات الداخلية في البلدين مع المتغيرات الإقليمية والدولية. الأمر الذي يجعل أي اتفاق عرضة لاختبارات سياسية مستمرة.
ومع استمرار الاتصالات الدبلوماسية والوساطات الدولية، يبقى مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران مرهوناً بقدرة الطرفين على تجاوز إرث طويل من عدم الثقة. كما يعتمد المستقبل على بناء تفاهمات جديدة توازن بين المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية لكلا الجانبين.


