نيويورك ، الولايات المتحدة – تواجه منظمة الأمم المتحدة أزمة مالية هي الأكثر حدة في تاريخها، حيث تضع القوتان العظميان، الولايات المتحدة والصين، المنظمة الدولية في مأزق وجودي عبر الامتناع عن سداد مبالغ ضخمة من مساهماتهما المستحقة.
ووفقا لتقارير “وول ستريت جورنال”، تسببت سياسات التنافس المتزايد بين واشنطن وبكين على النفوذ الدولي في تعميق فجوة السيولة. وقد دفع ذلك الأمين العام أنطونيو جوتيريش للتحذير من “احتمال حقيقي لانهيار مالي” يهدد قدرة المنظمة على أداء مهامها الحيوية.
تراكم المتأخرات وصراع الإرادات
تأتي واشنطن في صدارة الدول الممتنعة عن الدفع، حيث تراكمت عليها متأخرات تتجاوز 4 مليارات دولار، مبررة ذلك عبر إدارة الرئيس دونالد ترامب بضرورة “مكافحة الهدر وسوء الإدارة”.
ولا تكتفي واشنطن بحجب الأموال، بل اشترطت إجراء إصلاحات هيكلية عميقة. تشمل تلك الإصلاحات تقليص الوظائف والحد من النفقات الإدارية، كشرط مسبق لأي دعم مالي إضافي.
في المقابل، فاقمت الصين أزمة السيولة عبر تأخير سداد حصتها البالغة 455 مليون دولار، رغم تقديمها لنفسها كمدافع مالي عن المنظمة.
وعلى الرغم من ضخ بكين لمبالغ طوارئ مؤخرا، إلا أن التوقيتات غير المنتظمة للسداد تضع المنظمة في حلقة مفرغة من العجز. ويعود ذلك بشكل خاص إلى أن الأمم المتحدة تعتمد على مساهمات الدولتين لتغطية 42% من ميزانيتها الأساسية.
إجراءات تقشفية تاريخية
في ظل شح السيولة واحتمالية نفاد النقد بحلول منتصف أغسطس، اضطرت الأمم المتحدة إلى تبني إجراءات تقشفية غير مسبوقة لتقليص الإنفاق. إذ ألغت الأمانة العامة نحو 3 آلاف وظيفة وأغلقت مكاتب إدارية.
كما قلصت ساعات عمل المترجمين الفوريين وأوقفت أعمال الصيانة في مقرها الرئيسي التاريخي بنيويورك.
ولم تقتصر التخفيضات على الجوانب الإدارية، بل امتدت لتشمل عمليات حفظ السلام في بؤر التوتر الإفريقي. أدى ذلك إلى تأخير مستحقات دول مساهمة بقوات مثل نيبال وبنجلاديش.
معضلة الهيكلية والصلاحيات
تكمن المعضلة الكبرى في طبيعة الأمم المتحدة التي لا تملك صلاحية الاقتراض، وتسيطر فيها 193 دولة على الميزانية التي تستحوذ الرواتب على 70% من نفقاتها.
وفيما يطالب المراقبون الماليون بترشيد الإنفاق، غالبا ما تقف الحسابات السياسية للدول الأعضاء حائلا أمام أي إصلاح حقيقي. حيث يميل الدبلوماسيون إلى إضافة برامج جديدة بدلا من تقليص المبادرات القائمة التي تتجاوز 40 ألف برنامج.
وتتسم عملية التمويل بالتعقيد، إذ تدار ميزانيات حفظ السلام بشكل منفصل عن الميزانية العادية، كما تعيد المنظمة الأرصدة غير المصروفة للدول الأعضاء وفق حصصهم.وقد وصف جوتيريش ذلك بـ”الحلقة العبثية”، حيث يطلب من المنظمة إعادة أموال غير متوفرة أصلا في خزائنها.
ومع اقتراب موعد اختيار الأمين العام العاشر، تظل الأنظار شاخصة نحو ما إذا كان هذا العجز المالي سيؤدي إلى شلل في الخدمات الدولية.ويشمل ذلك من برامج الغذاء والأمن إلى استجابة المنظمة للأزمات العالمية الناشئة. في وقت أصبحت فيه الموارد المالية أداة ضغط سياسي بين القوى الكبرى، مما يضع النظام الدولي برمته أمام اختبار استقرار حقيقي.


