كوناكرى ، غينيا – في تصعيد ميداني خطير يعكس تآكل القبضة الأمنية في منطقة غرب أفريقيا، أعلنت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM)، الذراع الرسمي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، مسؤوليتها عن هجوم دمو استهدف موقعا عسكريا بنينيا في منطقة “بورغا” (كورغا). وتقع هذه المنطقة شمال بنين قرب الحدود الملتهبة مع بوركينا فاسو.
الهجوم الذي وقع يوم الخميس 7 مايو 2026، أسفر بحسب بيان الجماعة عن مقتل سبعة جنود بنينيين. كما تم الاستيلاء على ترسانة عسكرية ضخمة شملت مدافع رشاشة ثقيلة، وقاذفات صواريخ، وطائرة مسيرة متطورة من طراز “DJI Matrice 30T”. ويمثل ذلك إشارة واضحة إلى تطور القدرات التقنية والميدانية للجماعات المسلحة.
إعادة رسم خارطة الدم: من مالي إلى المحيط
يأتي هذا الهجوم في توقيت جيوسياسي حساس، حيث تطبق “النصرة” حصارا خانقا على العاصمة المالية باماكو. وهذا الأمر منح أذرعها في المنطقة “دفعة معنوية” لتوسيع نطاق العمليات جنوبا.
وتعد منطقة “بورغا” هدفا متكررا نظرا لطبيعتها الجغرافية الوعرة وقربها من محميات “بندجاري” و”دبليو-أرلي”. علاوة على ذلك، تحولت هذه المحميات إلى ملاذات آمنة ومنطلقات لوجيستية للجهاديين.
ويرى ضابط الاستخبارات الموريتاني السابق، أحمد أمبارك، لـ”صوت الإمارات” أن الهجوم يعكس انتقالا في طبيعة الاشتباك. الأمر لم يعد مرتبطا بكمائن سريعة أو ضربات متفرقة، بل باستهداف مواقع عسكرية قائمة والاستيلاء على العتاد واساخدامه في عمليات لاحقة. إضافة إلى ذلك، يحمل هذا النوع من العمليات رسالة واضحة؛ رفع مستوى الجرأة وتوسيع هامش الحركة. وليس ذلك بالغريب فحالة النشوة بسبب العمليات في مالي أنعكست على نشاط الجماعات وأعطت الضوء الأخضر لباقي أذرع التنظيم في دول الساحل وخليج غينيا، بحسب “أمبارك”.
تمدد “الهيدرا” في أفريقيا
من جانبه يري رئيس المعهد الأوروبي لدراسات الأمن والاستشراف، إيمانويل دوبوي، لموقع “صوت الإمارات” مشهد مقلق لتطورات المشهد الأمني في إفريقيا. كما لفت إلى وجود منافسة قوية بين “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” و”تنظيم داعش في الصحراء الكبرى” لتوسيع مناطق نفوذهما وعملياتهما. ولا يقتصر ذلك فقط على دول الساحل، بل يمتد إلى الدول المجاورة أيضا.
وصف التهديد الإرهابي الحالي بـ “الهيدرا” (كائن أسطوري متعدد الرؤوس)، حيث يمتد جغرافيا من السنغال غربا وصولا إلى السودان شرقا. بالإضافة إلى ذلك، تمدد هذا التهديد إلى وسط إفريقيا، حيث بايعت قوات التحالف الديمقراطية (ADF) في الكونغو الديمقرطية تنظيم داعش. وهذا ما يجعل القارة الأفريقية في مرمى تحالف مسلحة تهدد القارة.
واستدل دوبوي على خطورة الوضع بتزامن الهجمات في منطقة “كورغا” شمال بنين مع هجمات شنتها جماعة “بوكو حرام” ضد القوات المسلحة في تشاد. ويقول إن هذا التزامن يثبت أن التهديد الإرهابي لم يعد محصورا في منطقة “المثلث الحدودي” (بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو). بل امتد ليشمل مساحات جغرافية أوسع بكثير، مما يعكس ترابطا وتنسيقا متزايدا بين الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
استهداف خليج غينيا
كما تظهر الوقائع الميدانية أن الحركة لم تعد محصورة في العمق الساحلي بل إن هناك تمددا واضحا نحو الأطراف الجنوبية، خصوصا المناطق الحدودية مع دول خليج غينيا. وعلاوة على ذلك، لا يبدو التحرك هناك عشوائيا، بل مرتبط بفراغات أمنية يمكن استغلالها، وبشبكات محلية تسهل الانتقال والتغلغل، بحسب “أمبارك”.
و يوضح “دوبوي” أن جميع الدول المطلة على خليج غينيا أصبحت منذ أربع سنوات أهدافا رئيسية ومفضلة للجماعات المسلحة. كذلك، لم يعد التهديد الإرهابي محصورا في الأجزاء الوسطى من منطقة الساحل الأفريقي. كما تم رصد امتداد واضح للعمليات الإرهابية لتشمل المناطق الغربية والشرقية من الساحل. ويشير ذلك إلى اتساع جغرافي كبير في رقعة الصراع.
أزمة التنسيق والتحالفات الجديدة
أكد دوبوي أن حالة “التفكك” التي تعاني منها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” جعلتها غير قادرة على مواجهة هذا التهديد المتنامي. في المقابل، يسعى “تحالف دول الساحل” (المكون من مالي والنيجر وبوركينا فاسو)، الذي تأسس منذ عامين، إلى إنشاء قوة عسكرية مشتركة قوامها 5000 جندي لمواجهة الإرهاب بشكل متبادل. إلا أنه حتى الآن لم يحقق تقدم يذكر في مواجهة الجماعات الإرهابية. بل تدهور الأمر بحصار جماعة نصر الإسلام والمسلمين للعاصمة المالية بماكو.
وتعد مالي إحدى دول الساحل العديدة التي تعرضت لهجمات متكررة من قبل جماعات جهادية مختلفة تنشط في المنطقة منذ فترة. ومن المرجح أن تشجع هذه الجماعات، التي تراقب آخر التطورات في مالي، على زعزعة استقرار دول أخرى، لا سيما في بوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا.
ووفقا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، تعتبر منطقة الساحل، التي تشهد حاليا “خمس هجمات الجماعات المسلحة حول العالم و51% من الوفيات”.
كما ذكر بمبادرات سابقة مثل “مجموعة دول الساحل الخمس” (G5 Sahel) وعمليتي “برخان” و”تاكوبا” التي كانت تهدف إلى حشد القوات المسلحة لدول الساحل الخمس (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد، وموريتانيا) بدعم من دول أخرى مثل ساحل العاج والسنغال وبنين وغانا وتوغو ونيجيريا. كما أشار إلى وجود تخوف من تحول المنطقة الممتدة من السنغال إلى السودان إلى “بيئة حاضنة” للجماعات المسلحة الموالية للقاعدة أو داعش.
ويختتم “أمبارك” قائلا “بالمجمل يمكن القول إن المشهد يتجه نحو اتساع بطيء لكنه ثابت. فمالي تبقى مركز الثقل، لكن الضغط داخلها يدفع الأطراف إلى التمدد بدل الانكماش، ومع استمرار هذا المسار، لا يعود الحديث عن تهديد محلي داخل الساحل كافيا، بل عن إعادة تشكيل تدريجية لمجال أمني أوسع يمتد نحو غرب إفريقيا الساحلية، بكل ما يحمله ذلك من انعكاسات على الاستقرار الإقليمي في السنوات المقبلة”.


