صنعاء / الرياض – أعلنت جماعة الحوثي إسقاط طائرة استطلاع مسيّرة سعودية فوق محافظة البيضاء وسط اليمن، في أحدث تطور ضمن موجة تصعيد متسارعة بين الجماعة والرياض.
وقال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إن دفاعات الجماعة أسقطت طائرة من طراز “وينغ لونغ 2” أثناء تنفيذها، حسب وصفه، مهام استطلاع في أجواء محافظة البيضاء.
ولم يصدر حتى وقت إعداد هذا التقرير تعليق رسمي سعودي بشأن الحادث. كما لم تتوفر معلومات مستقلة توضح ظروف سقوط الطائرة أو طبيعة المهمة التي كانت تنفذها.
ويأتي الإعلان الحوثي بعد سلسلة من التطورات التي أعادت التوتر إلى العلاقة بين السعودية والجماعة. حدث ذلك عقب سنوات من الهدوء النسبي الذي بدأ مع الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022.
ما هي طائرة “وينغ لونغ 2″؟
“وينغ لونغ 2” طائرة مسيّرة صينية الصنع، مخصصة لمهام المراقبة والاستطلاع، كما يمكن تزويدها بأسلحة لتنفيذ ضربات جوية.
وتستخدم هذه الطائرات عادة في مراقبة التحركات الميدانية وجمع المعلومات، إضافة إلى استهداف مواقع عسكرية عند تجهيزها بالذخائر المناسبة.
وفي حال تأكد سقوط الطائرة، فقد يعكس الحادث قدرة الحوثيين على استهداف طائرات تعمل على ارتفاعات متوسطة. كما قد يدفع القوات السعودية إلى إعادة تقييم طبيعة عمليات الاستطلاع الجوية فوق المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.
ولا يعني إسقاط طائرة واحدة تغير ميزان السيطرة الجوية في اليمن. لكنه يمثل رسالة عسكرية من الحوثيين بأنهم مستعدون لاستهداف وسائل المراقبة والاستطلاع التي تعمل في أجواء المناطق التي يسيطرون عليها.
كيف بدأ التصعيد الأخير؟
بدأ التوتر الأخير مطلع يوليو، عندما اتهم الحوثيون طائرات سعودية بدخول المجال الجوي اليمني. كما اتهموا السعودية بمحاولة منع طائرة إيرانية من الهبوط في مطار صنعاء.
وقال الحوثيون إنهم قد يستهدفون مطارات ومنشآت داخل السعودية في حال استمرار ما وصفوه بالتدخل في حركة الطيران من مطار صنعاء وإليه.
من جهتها، حذرت السعودية من استهداف أراضيها أو منشآتها، وأكدت أنها سترد على أي هجمات تطال المملكة.
وتصاعدت الأزمة لاحقا بعد تعرض مدرج مطار صنعاء لضربة جوية. حدث ذلك بالتزامن مع محاولة طائرة إيرانية الهبوط في المطار، وعلى متنها وفد حوثي عائد من طهران.
وقالت الحكومة اليمنية إن الرحلة لم تحصل على الموافقات المطلوبة. وأوضحت أن تشغيل رحلات دولية عبر مطار صنعاء يجب أن يتم من خلال المؤسسات الرسمية المختصة.
في المقابل، قال الحوثيون إن منع الرحلة يمثل استمرارا للقيود المفروضة على مطار صنعاء، واتهموا السعودية بالمسؤولية عن استهداف المدرج.
بعد ذلك، أعلن الحوثيون إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه مواقع في جنوب السعودية، من بينها محيط مطار أبها. في المقابل، أعلنت القوات السعودية اعتراض صواريخ أطلقت باتجاه المنطقة الجنوبية.
صراع على مطار صنعاء
يمثل مطار صنعاء أحد أبرز ملفات الخلاف بين الحوثيين والحكومة اليمنية والسعودية.
الحكومة اليمنية ترى أن تشغيل رحلات دولية من المطار يجب أن يخضع لموافقة الجهات الرسمية. إذ تعتبر أن إدارة المجال الجوي والمنافذ الدولية من اختصاص مؤسسات الدولة.
أما الحوثيون فيقولون إن القيود المفروضة على المطار تؤثر في حركة المدنيين والمرضى والمسافرين. ويطالبون بتشغيله بصورة أوسع ومن دون قيود سياسية أو أمنية.
ويثير فتح خط جوي مباشر بين طهران وصنعاء مخاوف لدى السعودية والحكومة اليمنية. إذ يخشون من استخدام الرحلات في نقل خبراء أو معدات أو مسؤولين بين إيران والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
في المقابل، يقول الحوثيون إن الرحلات مدنية، وإن الاعتراض عليها يأتي ضمن ما يصفونه بالحصار المفروض على اليمن.
ماذا يعني إسقاط الطائرة؟
يحمل إعلان إسقاط الطائرة عدة رسائل عسكرية وسياسية.
الرسالة الأولى موجهة إلى السعودية، ومفادها أن الحوثيين لن يقتصر ردهم على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. بل قد يشمل أيضا استهداف طائرات الاستطلاع العاملة فوق اليمن.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بمطار صنعاء. إذ يسعى الحوثيون إلى رفع كلفة أي تحرك عسكري أو أمني يهدف إلى تقييد الرحلات الجوية من المطار وإليه.
كما تحاول الجماعة، من خلال الإعلان، إظهار قدرتها على استخدام وسائل الدفاع الجوي، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة الهجومية.
لكن هذه الرسائل لا تعني بالضرورة أن الطرفين اتخذا قرارا بالعودة إلى حرب شاملة. إذ لا تزال إمكانية احتواء التصعيد قائمة عبر اتصالات سياسية أو وساطات إقليمية ودولية.
هل انتهت مرحلة التهدئة؟
بدأت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في اليمن خلال عام 2022. ورغم انتهائها رسميا بعد عدة أشهر، استمر الهدوء النسبي بين السعودية والحوثيين.
وخلال تلك الفترة، تراجعت الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية. كما توقفت إلى حد كبير الغارات السعودية على المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.
وساعدت اتصالات غير مباشرة بين الطرفين في الحفاظ على حالة من التهدئة. ورغم ذلك، لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي شامل ينهي الحرب.
إلا أن التطورات الأخيرة، بما في ذلك استهداف مطار صنعاء، وإطلاق الصواريخ نحو جنوب السعودية، وإعلان إسقاط طائرة استطلاع، تشير إلى تراجع مستوى التهدئة. علاوة على ذلك، هناك عودة للرسائل العسكرية المتبادلة.
السيناريوهات المقبلة
السيناريو الأول يتمثل في احتواء التصعيد عبر وساطة سياسية، خصوصا إذا لم تسفر التطورات الحالية عن خسائر بشرية كبيرة.
أما السيناريو الثاني فهو استمرار ردود الفعل المحدودة. يتضح هذا من خلال ضربات جوية على مواقع عسكرية تابعة للحوثيين، مقابل إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة نحو جنوب السعودية.
وقد يشمل التصعيد أيضا استهداف طائرات الاستطلاع أو مواقع الرادار والدفاع الجوي داخل اليمن.
السيناريو الأكثر خطورة هو توسع المواجهة لتشمل منشآت نفطية أو مطارات مدنية أو طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وبذلك قد يتحول التوتر الحالي إلى أزمة إقليمية أوسع.
يأتي إعلان الحوثيين إسقاط طائرة استطلاع سعودية في توقيت تشهد فيه العلاقة بين الجماعة والرياض توترا متصاعدا. حدث هذا بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي.
ولا تزال تفاصيل الحادث محدودة، في ظل غياب تعليق سعودي أو معلومات مستقلة توضح ظروف سقوط الطائرة. ومع ذلك، فإن تزامن الحادث مع الهجمات الصاروخية والتوتر حول مطار صنعاء يشير إلى أن مرحلة التهدئة تواجه اختبارا جديدا. إضافة إلى ذلك، فإن استمرار الردود العسكرية المتبادلة قد يعيد اليمن والسعودية إلى دائرة التصعيد المفتوح.


