طهران، إيران – في الوقت الذي تقترب فيه مفاوضات إنهاء الحرب بين واشنطن وطهران من خط النهاية، برز ملف الأصول الإيرانية المجمدة كعقبة استراتيجية قد تنسف الجهود الدبلوماسية برمتها. فبينما تُعول طهران على هذه الأموال —التي تُقدر بنحو 100 مليار دولار— لإنعاش اقتصادها المنهك، تتمسك واشنطن بربط أي تحرير مالي بـ “ضمانات أمنية” صارمة، تشمل الملف النووي وتأمين الملاحة في مضيق هرمز. هذا “الشد والجذب” حول التوقيت والآلية وضع المفاوضين في مأزق دبلوماسي معقد، حيث أصبحت الأموال المجمدة بمثابة “حصان أسود” يحدد مصير مذكرة التفاهم المنتظرة.
طهران وواشنطن: صراع “الخطوط الحمراء”
وعلاوة على ذلك، يتضح التباين في المواقف بشكل جلي؛ إذ تصر طهران—عبر وكالة “تسنيم”—على أن الإفراج عن الأصول يجب أن يكون “فورياً وغير مشروط” بمجرد توقيع المذكرة، معتبرة ذلك خطاً أحمر. في المقابل، تتبنى واشنطن نهجاً حذراً، حيث ترفض الإفراج عن الدولار الأول قبل ضمانات ملموسة تتعلق بتفكيك البرنامج النووي وتأمين الممرات البحرية. وفضلاً عن ذلك، تضاف “مطالب إسرائيلية” (غير مؤكدة رسمياً) حول تصدير اليورانيوم عالي التخصيب للخارج، مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من الوصول إلى “نقطة التقاء” تحدياً هائلاً.
دبلوماسية الدوحة: هل تكون “المحفظة المحايدة”؟
وفي ذات السياق، اكتسبت زيارة الوفد الإيراني رفيع المستوى إلى الدوحة (25 مايو) —والذي ضم رئيس البرلمان ووزير الخارجية ومحافظ البنك المركزي—أهمية استثنائية. إن وجود “محافظ البنك المركزي” ضمن الوفد يرسل رسالة واضحة بأن جوهر المفاوضات هو “تدفق السيولة”. وتلعب قطر دوراً محورياً بصفتها “القناة المحايدة” التي تحتجز الأموال، وهو نموذج سبق اختباره. ويرى مراقبون أن الإفراج عن دفعة أولية تقدر بـ 12 مليار دولار قد يكون بمثابة “مفتاح ثقة” قادر على دفع الأطراف نحو التوقيع النهائي، بشرط توافر مرونة سياسية تتجاوز الخطابات المتصلبة.
السيناريوهات: بين “اتفاق السلام” و”انهيار المسار”
وفي الختام، يواجه الطرفان خيارين لا ثالث لهما: إما التوصل إلى تسوية براغماتية تسمح بتحرير جزء من الأموال مقابل التزامات أمنية محددة، أو العودة إلى المربع الأول حيث لا رابح في صراع قد يمتد ليشمل المنطقة برمتها. إن العالم يراقب اليوم ما إذا كانت “الدبلوماسية القطرية” ستنجح في هندسة مخرج يحفظ ماء وجه الجانبين ويضمن استقراراً مستداماً، أم أن غياب المرونة سيؤدي إلى انهيار المسار الدبلوماسي في لحظاته الحرجة. إن مصير الشرق الأوسط —اقتصادياً وسياسياً— بات معلقاً الآن بمدى قدرة المفاوضين على تسييل هذه “المليارات” وتحويلها من أداة ضغط إلى ركيزة للسلام.


