بروكسل، بلجيكا – تكثف الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) جهودها الدبلوماسية والعسكرية لتعزيز استقرار وتماسك الحلف، وسط مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الالتزام العسكري والاستراتيجي الأمريكي، تزامناً مع عودة الجدل الحاد حول مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الشراكات الدفاعية الدولية والمظلة الأمنية التقليدية للبلدان الأوروبية.
وتسعى عدة عواصم أوروبية، بالتنسيق مع الأمانة العامة للحلف في بروكسل، إلى وضع آليات هيكلية تضمن استمرار فاعلية الناتو وقدرته العملياتية على الاستجابة الفورية للتهديدات الأمنية المتصاعدة، بعيداً عن أي تغيرات سياسية مفاجئة داخل الولايات المتحدة قد تؤثر بشكل مباشر على مستوى الدعم العسكري أو الاستراتيجي المقدم للدول الأعضاء.
تحذيرات السكرتير العام ودعوات لإنهاء الارتباط المفرط بالحليف الأمريكي
وفي هذا السياق، أكد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، خلال الاجتماعات الوزارية الأخيرة في السويد، على ضرورة إعادة توزيع المسؤوليات داخل الحلف وتحقيق مبدأ “تقاسم الأعباء بشكل عادل”. وأشار روته علناً إلى وجوب تحرك أوروبا وكندا لإنهاء ما وصفه بـ “الاعتماد المفرط وغير الصحي على حليف واحد” (في إشارة إلى الولايات المتحدة)، والاضطلاع بدور أكبر في إدارة ملف الدفاع التقليدي وحماية الحدود المشتركة.
وتأتي هذه التحركات مدفوعة بالقلق الأوروبي العميق من احتمالات إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما بعد انتقادات ترامب المتكررة لمستويات الإنفاق الدفاعي لبعض الدول، وتلويحه مؤخراً بخيارات عسكرية منفردة في ملفات الشرق الأوسط وإيران دون تنسيق أطلسي كامل، مما يعزز فرضية اتجاه واشنطن نحو الانكفاء الإقليمي أو المقايضة الأمنية.
خطط تسليح طموحة ورفع الإنفاق العسكري لمستويات غير مسبوقة
وأدت هذه التحولات السياسية المتسارعة إلى دفع القارة الأوروبية نحو صياغة استراتيجية “الاعتماد الذاتي”؛ حيث بدأت دول بارزة مثل بولندا ودول بحر البلطيق في قيادة حراك لرفع ميزانيات الدفاع بشكل متسارع، وسط خطط تهدف للوصول بالإنفاق العسكري إلى 3.5% وحتى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، فضلاً عن تعزيز المبادرات متعددة الأطراف وتوطين صناعات الذخيرة والطائرات المسيرة عبر آليات الاتحاد الأوروبي الدفاعية.
ويرى مراقبون عسكريون أن الناتو يمر بمرحلة إعادة تعريف وظيفي جوهرية؛ فبينما يظل الحلف الركيزة الأساسية للأمن الجماعي الأوروبي، فإن التحديات الجيوسياسية الراهنة فرضت واقعاً جديداً يتطلب “أوربة” منظومة الدفاع (Europeanization of NATO)، بما يضمن بقاء القارة قادرة على حماية أمنها القومي وأسواقها الاستراتيجية وممراتها المائية الحيوية بشكل مستقل إذا ما تراجعت الضمانات الأمريكية.


