السودان – يعيش السودان اليوم واحدة من أعقد أزماته منذ الاستقلال. تتداخل الحرب المستمرة منذ عام 2023 مع صراعات نفوذ سياسية وأمنية. في مقدمتها محاولات الإسلاميين السودانيين العودة إلى الواجهة بعد سنوات من التراجع. يتخذون من الصراع الحالي منصة لإعادة تثبيت نفوذهم داخل الدولة.
منذ سقوط الرئيس السابق عمر البشير عام 2019، ظل وجود الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي السياسي أحد أهم بؤر التوتر في البلاد. وبرغم إسقاط النظام، حافظ الإسلاميون على نفوذهم عبر شبكات الدولة العميقة. عادوا تدريجيًا إلى المشهد بعد انقلاب 2021. قبل أن يشاركوا بفاعلية في حرب 2023 إلى جانب الجيش، باعتبار ذلك بوابة للعودة إلى السلطة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
الإسلاميون ورهان إطالة أمد الحرب
يرى مراقبون أن استراتيجية الإسلاميين في البقاء تعتمد على شخصيتين محوريتين هما علي كرتي وأحمد هارون. لديهم رهان واضح على إطالة الحرب لتحقيق مكاسب سياسية.
ويقول المحلل السياسي السوداني أسامة عبد الماجد بوب في تصريح لـ”صوت الإمارات” إن تحالف الجيش مع الحركة الإسلامية منذ انقلاب 1989 أسّس لشبكة واسعة من التمكين داخل مؤسسات الدولة. هذه الشبكات بقيت فاعلة حتى بعد ثورة سبتمبر 2019 رغم تشكيل لجنة إزالة التمكين. لكن انقلاب 25 أكتوبر 2021 جمد عمل اللجنة. أعاد فتح الطريق أمام الإسلاميين للعودة.
ويضيف بوب أن الإسلاميين استغلوا اندلاع حرب 2023 للاندماج في جهود الجيش. ظهرت تشكيلات عقائدية مثل إعادة تنظيم متطوعي الدفاع الشعبي وتأسيس ألوية “البراء بن مالك” ضمن تحالف “المقاومة الشعبية”. هذه تشكيلات دفعت بها الحركة الإسلامية لتعزيز موقعها داخل الصراع.
ويُعد علي كرتي – الأمين العام للحركة الإسلامية – أبرز مهندسي مشروع عودتهم. وقد فُرضت عليه عقوبات أمريكية منذ 2019 بتهم تقويض الانتقال الديمقراطي. أما أحمد هارون فطرح علنًا رؤية تقوم على “سيادة الجيش” وتأجيل الحكم المدني. مع إقرار بدور الإسلاميين في الإسناد العسكري والتنظيمي.
هل يمكن إخراج الإسلاميين من المشهد؟
من جانبه، يقول الدكتور عمر مصطفى شركيان، الباحث السياسي السوداني، إن نفوذ الإسلاميين يمتد داخل الأجهزة الأمنية والقضائية والاقتصاد والإعلام منذ أكثر من ثلاثة عقود. يستخدمون وسائل متنوعة لإقصاء الخصوم، بدءًا من تصفية المعارضين وشراء الولاءات وانتهاءً بالتضييق الاجتماعي والمعيشي.
ويرى شركيان أن مواجهة هذا النفوذ تتطلب برنامجًا سياسيًا جامعًا يهدف إلى وفاق وطني. إلى جانب جهود دبلوماسية فعالة، ومواجهة فكرية تفنّد الخطاب الديني المستخدم لتبرير استمرار سيطرة الحركة الإسلامية. كما يشدد على ضرورة تجفيف الأحزاب التي أنشأتها الحركة كأذرع اجتماعية وسياسية.
وبحسب أسامة بوب، فإن الإسلاميين اليوم هم أبرز الأطراف الدافعة لاستمرار الحرب. يشير إلى أن وقف القتال وإطلاق مسار انتقالي قد يعني نهاية مشروعهم السياسي. خاصة في ظل الرفض الشعبي والإقليمي والدولي الواسع لعودتهم.
ويطالب بوب المجتمع الدولي بأن يضع في أي مسار للحل أو وقف الحرب ضمانات تمنع مشاركة الإسلاميين في المرحلة الانتقالية. نظرًا لما تسبب به نظامهم منذ 1989 من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية دفع ثمنها الشعب السوداني.


