القاهرة، مصر – يُعد المعماري المصري العالمي حسن فتحي واحدًا من أبرز رواد العمارة المستدامة عالميًا، فقد استبق عصره بعقود عندما نادى بضرورة تصميم مبانٍ تعتمد كليًا على المواد الطبيعية وتتوافق مع الظروف المناخية المحيطة، وهي الأفكار التي باتت اليوم تمثل الحل الأمثل لمواجهة أزمة التغير المناخي وخفض استهلاك الطاقة العالمي.
فلسفة البناء للمستقبل
اكتسب حسن فتحي شهرته الدولية من فلسفته المعمارية التي ركزت على تشييد مساكن منخفضة التكلفة للفئات الأكثر احتياجًا، معتمدًا على الطين والمواد البيئية المحلية بدلاً من الخرسانة والحديد. تميزت تصميماته بآليات ذكية تسمح بتدفق الهواء وتوزيع الضوء الطبيعي، مما يقلل بشكل كبير الحاجة إلى أجهزة التبريد والتكييف الصناعية.
النشأة والمسيرة المهنية
وُلد حسن فتحي في 23 مارس عام 1900 بمدينة الإسكندرية، وتخرج في كلية الهندسة بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا). كرس فتحي حياته لتطوير مفهوم “العمارة البيئية”، مؤمنًا إيمانًا راسخًا بأن المبنى يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من الطبيعة، معبرًا بصدق عن ثقافة وهوية المجتمع المحلي.
قرية القرنة الجديدة: أيقونة معمارية
تظل قرية القرنة الجديدة بمحافظة الأقصر أبرز مشروعاته، حيث صممها في أربعينيات القرن الماضي لإعادة توطين سكان المنطقة. استخدم فتحي القباب والأقبية والطوب اللبن، ليخلق بيئة معيشية مريحة في ظل درجات الحرارة المرتفعة للغاية، دون الاعتماد على أي وسائل تبريد حديثة أو مكلفة.
كتاب “عمارة الفقراء” والمرجعية العالمية
ألّف حسن فتحي كتابه الشهير “عمارة الفقراء” الذي تُرجم إلى عدة لغات عالمية، ليشرح فيه رؤيته في بناء مساكن إنسانية اقتصادية تحترم البيئة والهوية. تحول هذا الكتاب إلى مرجع أساسي لا غنى عنه للمعماريين والباحثين الذين يسعون لفهم مبادئ العمارة المستدامة في مختلف أنحاء العالم.
جوائز عالمية وتقدير مستحق
نال المعماري المصري تكريمات دولية رفيعة، من بينها جائزة “الآغا خان للعمارة”، وحظي بتقدير واسع من المؤسسات المعنية بالتراث والبيئة التي رأت في تجربته نموذجًا رائدًا لتحقيق التوازن بين احتياجات الإنسان والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
إرث حي في مواجهة الاحتباس الحراري
على الرغم من رحيله في 30 نوفمبر 1989، لا يزال إرث حسن فتحي حاضرًا بقوة، خاصة مع تصاعد الاهتمام العالمي بالمباني الصديقة للبيئة والمدن المستدامة. تحولت أفكاره التي انطلقت من منازل بسيطة للفقراء إلى مصدر إلهام دولي للمشروعات التي تسعى لإنقاذ كوكب الأرض من آثار التغير المناخي، مؤكدًا للعالم أجمع أن العمارة ليست مجرد بناء جدران، بل وسيلة استراتيجية لحماية الإنسان والبيئة في آن واحد.


