تعز، اليمن – في مخيمٍ منسي جنوب غربي تعز، لا يبدأ نهار سعيدةْ محمد بالبحث عن الخبز أو الدقيق، بل بجمع أوراق الشجر.
تغسل المرأة اليمنية البالغة خمسةً وستين عامًا أوراق “الهلاس”، وهي أوراق شجرة محلية تُغلى في أوقات الجوع القاسي. بعد ذلك، تضعها على النار، في محاولةٍ لإسكات جوع أحفادها الستة، بعدما جفّت المساعدات، وطال أمد النزاع.
هنا، تحوّلت الأوراق التي تنمو في محيط المخيم إلى وجبةٍ رئيسية، لا لأنها تُشبع، بل لأنها المتاح الوحيد.
جمع أوراق الشجر
تعيش سعيدةْ مع أسرتها من دون طعامٍ كافٍ، ومن دون مواد أساسية كالطحين والسكر. تقول إن الحاجة دفعتها إلى جمع أوراق الشجر، وغليها، وتقديمها للأطفال لتخفيف جوعهم، بعدما غابت المساعدات وانقطعت سبل العيش.
على طبقٍ بسيط، تجتمع سعيدة وأحفادها حول ما تيسّر من طعام. أطفالٌ يأكلون بصمت، وامرأةٌ تراقبهم بعينٍ أنهكها العجز قبل الجوع.
تقول سعيدةْ إن الأطفال ينامون جائعين، ويبكون طلبًا للطعام، فيما لا تجد ما تقدمه لهم سوى هذه الأوراق. وجبةٌ تخفف الجوع مؤقتًا، لكنها تخلّف آلامًا ومعاناة صحية.
وتضيف أن الأطفال لم يتذوقوا اللحم منذ زمن طويل، حتى كادوا ينسون طعمه. كما أن الأيام والأسابيع تمر من دون أن يصل إليهم شيء.
في مخيم “المنيج”، لا تبدو قصة سعيدةْ حالةً معزولة. فبحسب ممثلة المخيم، ينتشر سوء التغذية بين عشرات الأطفال والنساء. وبين هؤلاء النساء حوامل ومرضعات لا يجدن ما يكفي لإطعام أنفسهن أو أطفالهن.
أكثر من خمسة وثلاثين طفلًا يعانون من سوء التغذية، إلى جانب أكثر من خمس وأربعين امرأة. في هذا الواقع، تصبح أوراق الشجر وجبةً أساسية لكثيرين، لا خيارًا عابرًا.
تكشف مشاهد المخيم اتساع العزلة وقسوة الواقع؛ خيامٌ متفرقة، ومساكن بدائية، وأسرٌ تنتظر عونًا لا يصل.
ويعزو مسؤولون محليون تفاقم الأزمة إلى تراجع التمويل الإنساني المخصص لليمن. كما يؤكدون أن الحصص الغذائية المتاحة اليوم لا تغطي سوى جزءٍ محدود من الاحتياجات.
وبحسب مسؤول المخيمات في مديرية المعافر، فإن ما خُصص حديثًا من مساعدات غذائية لا يتجاوز ربع المستهدف في العام الماضي. في المقابل، يترك هذا الوضع آلاف النازحين أمام خياراتٍ قاسية.
وبين أوراقٍ تُغسل على عجل، ونارٍ تُوقد بما تيسّر، تختصر سعيدة حكاية آلاف النازحين: جوعٌ حاضر، ومساعداتٌ غائبة، وأطفالٌ ينتظرون وجبةً لا تأتي. في تعز، لم تعد المأساة تُقاس فقط بما فقده الناس بسبب الحرب. بل أصبحت تقاس أيضًا بما اضطروا إلى أكله للبقاء على قيد الحياة.

