مانيلا – تُعد ليلة هروب الجنرال الأمريكي دوغلاس ماك آرثر من مانيلا واحدة من أكثر اللحظات إثارة. جاء هذا التراجع التاريخي بعدما نجح الهجوم الياباني على الفلبين في فرض واقع عسكري مأساوي ومعقد. وجدت القوات الأمريكية والفلبينية نفسها أمام انهيار دفاعي متسارع مطلع أربعينيات القرن الماضي. فتح التفوق الجوي والبحري لسلاح الإمبراطورية الباب لغزو بري كاسح لكافة الجزر الحيوية. اضطر القائد الأمريكي الأعلى لمغادرة جبهة القتال بطلب مباشر من البيت الأبيض لإنقاذ حياته.
تدمير القدرات الجوية والحصار الخانق في باتان
وبعد ساعات قليلة من ضرب ميناء بيرل هاربور في ديسمبر 1941 تحركت طائرات طوكيو بسرعة. استهدف قصف الإمبراطورية القواعد الأمريكية المنتشرة في جنوب شرق آسيا بشكل مركز ومفاجئ. نجحت الغارات الجوية اليابانية في تدمير نصف الطائرات المقاتلة الأمريكية وهي قاطعة على الأرض. تسبب هذا الإخفاق الكبير في فقدان واشنطن للسيطرة الجوية بشكل كامل ومبكر في المعركة. تقدمت فرادات المشاة اليابانية لتبدأ عملية عزل العاصمة الفلبينية عن محيطها الاستراتيجي.
وانسحبت القوات المشتركة إلى شبه جزيرة باتان الصخرية وجزيرة كوريجيدور الحصينة لتنظيم خطوط دفاعية أخيرة. تسبب الحصار البحري الصارم في قطع خطوط الإمداد العسكري والغذاء والدواء تماماً عن الجنود المحاصرين. تفشت الأوبئة المدارية مثل الملاريا واليرقان بين صفوف المدافعين العزل نتاج نقص الرعاية الطبية. تفوق مخططو الجيش الياباني في قراءة تكتيكات الخصم ورفعوا من وتيرة الهجمات المدفعية اليومية لكسر الروح المعنوية.
أوامر الإخلاء السرية وعبارة ماك آرثر الشهيرة
وفي مارس من عام 1942 أصدر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت أمراً عاجلاً وصارماً لماك آرثر. قضت التعليمات بضرورة مغادرة الأراضي الفلبينية فوراً حفاظاً على سلامة القيادة العليا للجيش في المحيط الهادئ. غادر الجنرال سرّاً تحت جنح الظلام عبر زوارق طربيد بحرية سريعة متجهة نحو الجزر الأسترالية. أطلق ماك آرثر لحظة ركوبه الزورق عبارته التاريخية التي خلّدها التاريخ العسكري الحديث: “سأعود”.
شكلت مغادرة القائد صدمة نفسية مروعة للآلاف من الجنود الفلبينيين والأمريكيين الذين تُرِكوا لمصيرهم المجهول. اعتبر بعض المؤرخين هذا الإخلاء خطوة استراتيجية بارعة لإعادة تنظيم الصفوف وتأسيس جبهة بديلة في ملبورن. وفي المقابل رأى نقاد عسكريون أن الحادثة ترمز لضعف الاستعدادات الأمريكية أمام الآلة العسكرية اليابانية المتطورة والمنظمة آنذاك.
سقوط الحصون ومأساة مسيرة موت باتان
وبعد أسابيع قليلة من رحيل ماك آرثر انهارت الدفاعات الأمامية وسقطت باتان ثم كوريجيدور بالكامل. تعرض أكثر من سبعين ألف جندي لأسر جماعي قاسٍ من قبل القوات المنتصرة. أُجبر الأسرى على السير لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة دون طعام أو ماء في واقعة عُرفت بـ “مسيرة موت باتان”. لقي الآلاف حتفهم على جانبي الطريق نتيجة الإعياء الشديد والمعاملة غير الإنسانية من الحراس.
ورغم الهزيمة المذلة نفذ ماك آرثر وعده وعاد على رأس حملة عسكرية بحرية ضخمة عام 1944. نجحت القوات الأمريكية في استعادة السيطرة على الجزر وطرد الحاميات اليابانية بعد معارك دموية طاحنة. تحول هذا الصراع التاريخي إلى ركيزة أساسية لصياغة الاستراتيجيات القتالية في المحيط الهادئ. يظل ملف الهجوم الياباني على الفلبين المادة التاريخية الأكثر إثارة وتحليلاً بين خبراء الحروب


